عن أي اضطهاد ثقافي يتحدث «ميكروفون»؟

الكل يعرف عن الأسماك السكندرية.

على خلفية ثورة يناير ٢٠١١ وبالتزامن معها عرض فيلم «ميكروفون» (أحمد عبد الله، ٢٠١٠)، وشكل هذا عاملا حاسما في احتفاء وليس فقط تعاطف النقاد والمهرجانات والمعلقين والثوريين، بل واعتبره الكثيرون نبوءة فنية إذ يرصد بلا التباس حالة التململ بين الشباب الممنوعين من التعبير عن أنفسهم وممارسة حياتهم وليس فقط من الحراك والتطور—يفترض أن أحد المشاهد تحية إلى خالد سعيد، ضحية التعذيب السكندري في أحد الأحداث الفاصلة عشية الثورة. وهو يوظف بذكاء ظاهرة الغرافيتي في قصته، كطريقة للإعلان عن حفلة، وهو الفن الذي سيصبح أحد الملامح الثقافية البارزة لثورة الجيل السياسية.١

للوهلة الأولى يبدو كل ذلك طبيعيا ومستحقا ولا غبار عليه. بل هناك ما هو أكثر على مستويات أخرى. ففيما يبدو قطيعة حادة مع تراث طويل في السينما المصرية، غذى وعيا جماهيريا مشوها، تتحطم قصص النجاح الرخيصة للموسيقيين الفقراء الصاعدين على صخرة واقع صلب، لا تزيفه طلبا للسلامة أو تشيح بوجهها عنه طلبا للترفيه سينما جديدة تعيد إلى المجتمع طابعه السياسي، كما تصبح الموسيقى فيها تاريخية ومتواشجة مع صراعاته، وهو هنا امتداد لعملين مختلفين مميزين هما «سمع هس» (شريف عرفة، ١٩٩١) و«آيس كريم في جليم» (خيري بشارة، ١٩٩٢). لكن نظرة أخرى قد تكشف مشاكل فنية وفكرية في سينما وموسيقى الجيل والثورة (المسماتين بالمستقلة والبديلة) تضع مسألة القطيعة هذه موضع تساؤل.

لم يتوقف النقد السلبي للفيلم في بلده كما في العالم العربي والغرب إلا عند الشخصيات المسطحة والحبكات الفرعية الفقيرة، وهي عيوب حقيقية أساسية بالطبع، تطرح للبحث مسألة الشكل والإنتاج، في مجال يزعم استقلاليته واختلافه الجذري لكنه لا يزال يخضع لشروط غير فنية تضر قضيته فيخرج العمل من وثائقيته المثالية المنشودة منذ البداية٢ ويترهل لتحقيق المظهر الاعتباري المقترن بفيلم روائي طويل لمخرج شاب.

أسماك وقطط شيرازية وقمع موسيقي

لكن العيب الآخر الكبير في رأيي أغفل تماما، وهو الخاص بموضوع الفيلم ذاته، إذا نحينا جانبا كل العناوين العريضة المتزاحمة التي تشي باستمرارية مزعجة أخرى عبر أجيال من صناع أفلام سياسية يريدون أن يقولوا كل شيء، أو بالأحرى يعدوا قائمة بكل شيء بمنطق كمي وانفرادي (التزلج بالألواح مثال واحد صغير على هذا في الفيلم)، وهو موضوع القمع الموسيقي، أو الاضطهاد الثقافي بمعناه الأوسع.

ينقلنا هذا مباشرة إلى الملاحظة النقدية المشتركة الأخرى في المراجعات، وهو التأثر الواضح بفيلم «لا أحد يعرف عن القطط الفارسية» (بهمان قبادي، ٢٠٠٩)،٣ وإن لم يُرَ في هذا أمر سلبي كما يوحي دفاع المخرج-الكاتب٤ الذي يزعم ابتعاد عمله عن مغازلة الغرب على عكس الفيلم الإيراني،٥ بالرغم من أنه بعد مرور وقت عبر عن اهتمامه بنظرة العالم لنا وارتياحه إلى عدم وقوع الفيلم في محلية مفرطة.٦

لكن المقارنة بين العملين تكشف الكثير عن موضوع «ميكروفون» ومشكلته.٧ ولنبدأ بمقارنة الظروف. ففي حين عرض «ميكروفون» في دور السينما التجارية الكبرى في العاصمة والعاصمة الثانية، بدون اعتراض رقابي واحد، وفاز بالجائزة الأولى في مهرجان السينما الرسمي التابع للدولة ببلده، وعرض بعدها عشرات وربما مئات المرات على كل قنوات الأفلام الفضائية العربية الرئيسية، نفي قبادي خارج إيران، وكانت مؤلفته أثناء ذلك في السجن بتهمة التجسس، وبالطبع لا مجال للحديث عن عرض الفيلم أو فوزه بأي جوائز في بلده. وينقلنا هذا التباين بين الحريات المتاحة لصناع السينما في البلدين إلى مقارنة مماثلة بين مجتمعي الموسيقى المستقلة أو البديلة أو السفلية underground. والكلمة الأخيرة منطبقة حرفيا على المشهد الموسيقي المعني في إيران، وتتوالى في الفيلم مشاهد لقاءات الموسيقيين، الذين يجهلون بعضهم ويجاهدون للتواصل والتعاون، في الأقبية المظلمة أو مواضع حقيقية ورمزية في هامشيتها معا بعيدة عن الأعين، في الخلاء أو على أسطح العمارات السكنية ومع حرص مشدد خشية إبلاغ الجيران للشرطة.

ففي الوقت الذي يتعرض فيه الفنانون بل والمستمعون الإيرانيون إلى الاعتقال والسجن بالجملة، أقيم في مصر المهرجان الموسمي إس أو إس SOS (نداء استغاثة يعني "أنقذوا أرواحنا!" [من الموسيقى السائدة]) الذي كان من ضمن رعاته في دورة ٢٠٠٩ شركة ڤودافون وجمعية أهلية على علاقة وثيقة بالدولة والمنظمات الدولية نشأت من مؤتمر السكان والتنمية، كما استضافته مكتبة الإسكندرية وشاركت فيه من فرق الفيلم على سبيل المثال «مسار إجباري».٨ ومن المثير للاهتمام، إذا كانت ذروة الفيلم المصري هي منع إقامة حفلة في الشارع، أن مهرجان شارع أقيم بشكل متكرر بدءا من ٢٠٠٥ بأحد أرقى أحياء القاهرة تحت رعاية سوزان مبارك، وشاركت فيه فرقة وسط البلد مثلا وأحد مؤسسيها هو أحد أبطال الفيلم الممثل والموسيقي هاني عادل.٩ وهذا فضلا عن توفر عدد من المنافذ الثقافية الخاصة والأجنبية وفرص التمويل المدني والأجنبي لألبومات هذه أو تلك من الفرق المستقلة.١٠

"لنجعل آباءنا يروننا نعزف ولو مرة،" كما تقول نِجار بأمل ومرارة وهي تسعى مع رفيقها أشجان بعد خروجهما من السجن إلى إكمال المطلوب من أعضاء جدد وأعمال وأوراق للخروج من السجن الأكبر للأداء في أوروپا وربما البقاء هناك. فالانتماء هنا للفن، والغربة كاملة، والاستقلالية دون أي ميوعة بالتالي. وفي ترديد مشوه لهذه التيمات يقحم «ميكروفون» على موضوعه الوثائقي الأصلي بطله خالد العائد من السفر وصاحبته السابقة التي ستسافر وهكذا—وهو يتقاطع في رحلته مع رحلة ثنائي آخر مقحم من طالبَي سينما في علاقة حب أكثر غموضا وخواء دراميا، وتصبح حبكة موقع الإنترنت المصطنعة مكملة لحبكة فيلمهما، المتعثر لعدم تفاهمهما، ويضاف التصوير في علبة الحذاء كإيحاء ضعيف آخر بالسرية والمعاناة، والنتيجة ككل هي ادعاء بائس للنضال والمقاومة وتوسل بكل وجه شبه بعيد مع «القطط الفارسية» التي لا يعرفها أحد حقا وتعامل معاملة الحيوانات النجسة المحرم وجودها في المجال العام. (ألم تكن مشاهد محاولة إبقاء السمكة على قيد الحياة مثالا آخر على المحاكاة الساذجة؟)

"ولكنك هنا لا يمكنك أن تلعب أي نوع من الموسيقى،" يقول أشجان، في مشهد مع نادر 'المخلّصاتي'، والموسيقي هو نفسه، الذي يكشف لنا في خط تراجيكوميدي تناقضات ودهاليز وتشابكات ونفاق النظام بطريقة تتواضع أمامها شخصية المسئول الحكومي المضخمة بشكل كاريكاتوري فج في «ميكروفون»، مشهد يذكرنا بساميزدات samizdat الاتحاد السوڤييتي، حيث متابعة الاهتمام الفني وتداول الأعمال نفسه حالة مقاومة ثقافية، على عكس ازدواجية الفنان والمثقف المصري الباحث عن رعاية ودعم وحماية الدولة مع ادعاء معارضتها والتمايز عنها في الوقت نفسه،١١ والتي يكشف «ميكروفون» دون أن يدري أو يقصد استمراريتها، والبحث عن الجمهور بأشكال تؤدي إلى تنازلات فنية ورقابية، وكل هذا يجرد مفهوم الموسيقى السفلية، أو حتى المستقلة أو البديلة، من معناه، ويمكن سحب ذلك على كل إنتاج فني وثقافي مماثل.

خلفية تاريخية وسياسية

إن الرقابة في مصر، الأكثر توحشا مع الوسائط الأكثر انتشارا وجماهيرية من الكتاب،١٢ ليس هناك ما يقلقها في فيلم عبد الله، وقد قنع هو وزملاؤه فيما يبدو بأن غاية الطموح هي تسريب كلمات مثل "خرا" وتشفير الألفاظ البذيئة (مثلما في مشهد الشتيمة الموجهة على الحائط للمسئول الحكومي)، بل وستتكفل الرقابة الذاتية باستبعاد اللازمة المشفرة لأغنية "ألف حا هيه" (اختصار "أرفض حدوث هذا" وفقا للفريق). لكن هذه ستكون أسبابا إضافية كافية لزهو شباب الجيل الذي يغازله عبد الله بانتصاره الطفولي لهم.

وفي القاهرة كما في الإسكندرية، فالفيلم لم يقنعنا بخصوصية ما للأخيرة، لا يجد الموسيقيون 'السفليون' غضاضة ليس فقط في رعاية الشركات العالمية الكبرى والاستعانة بالظهور في السينما والمسلسلات التجارية، بل يصبح بعضهم مادة دعائية (إن لم يشاركوا في إعلانات تقليدية حتى)، في عصر أصبح فيه رأس المال، تحت لافتة الدور الاجتماعي، يسوق شخصية ثقافية لنفسه تستقطب جمهورا شابا يتميز على عكس الأجيال السابقة بميوعة فكرية تحت لافتة الرحابة. وينقلنا هذا التشوه إلى إعلان موبينيل١٣ الذي زعم عبد الله اضطراره إليه لدعم مشروعه التالي «فرش وغطا» (لم تكن تنازلات «ميكروفون» كافية إذن!) ولتحليل الإعلان بعدان فيما يخص موضوع بحثنا: الأول هو حدود الطابع المستقل/البديل للموسيقى المعنية، والثاني اتصاله المباشر بوعي المخرج-الكاتب الخاص بقضية الاضطهاد الثقافي الموسيقي في بلده.

ففي تحية اعتذارية واضحة، وإن كانت مشوهة تماما، تزيد الطين بلة وتمثل ذنبا جديدا، يبرز الإعلان أنواعا موسيقية محلية مثل السمسمية والبدوية السيناوية والنوبية (إلى جانب، طبعا، تكنو-شعبي قاهري وهِپ-هوپ في ترام الإسكندرية، بل مع نشيد للألتراس). الرسالة الجامعة في الفيلم الإعلاني القصير هي التأكيد على الوحدة الوطنية والتنوع مع قيم شركاتية مستوحاة من خطاب التنمية الذاتية، حيث تظهر صورة مصر مصقولة مثالية بشكل تعبوي ليبرالي-جديد (ويزيد الأمر سوءا في اللحظة الثورية باتخاذ أبعاد مضادة للثورة، بل وفاشية تذكر بقصيدة بريخت عن احتياج الشعب الثائر إلى العمل كي يستعيد ثقة الحكومة). ويتكرر الاعتذار الكاشف عن الإحساس المستجد بالذنب في «فرش وغطا» (٢٠١٣) في لقطة وثائقية لشهادة أحد مقموعي الموالد.

يلاحظ سامي السلاموني بأسى كيف انحرف وتدهور مخرجون مصريون واعدون وكبار بسبب رضوخهم لشروط السوق،١٤ ويبدو أن الفارق بين تلك الأجيال والجيل الجديد بمخرجيه الأوسع الحيلة أن الأخيرين بينما يدّعون اقتصار التنازل على مجال خارج الفن نفسه فإن خطابهم الفني وتأثيرهم في المجال العام يصبح في أفضل الأحوال مشوشا ومزدوجا، ولا تعدو تطهريتهم الفنية١٥ إلا ترديدا لازدواجية عتيدة تذكرنا برد نجيب محفوظ على جمال الغيطاني عندما لاحظ الأخير اختلافا بين ما يقوله في أدبه وفي الصحافة: "صدق إذن العمل الفني."١٦

ومن المفيد أن نتذكر هنا كيف حوّل الشيخ إمام (السفلي حقا) أغنية لسيد درويش (الحاضر في الفيلم وفي المشهد الموسيقي الشبابي السكندري، وهو ما يستدعي مقارنة أخرى تخص المحتوى والهم الاجتماعي والتطور الفني والاستقلالية)، لتصبح "سالمة يا سلامة" عبارة ترحيبية ساخرة بكوكاكولا "جات بالسلامة" في مطلع الليبرالية الجديدة. وبعد أكثر من ثلاثة عقود، يمارس عمرو دياب رقابة ذاتية (إن لم تكن رقابة شركاتية سافرة) فيمتنع عن ذكر كلمة "كوكاكولا" في أغنية "رصيف نمرة خمسة"١٧ من فيلم «آيس كريم في جليم» المشار إليه سلفا والذي سبق «ميكروفون» بعقدين تقريبا في تناول موسيقى الشارع، وتحكم المنتجين، بفنية أعلى كثيرا رغم اعتماد الفيلم على المغني الرائج آنذاك.

ويضعنا كل هذا أمام السياق التاريخي والاجتماعي المحجوب في «ميكروفون» (ولعله لو اختار مسارا مختلفا لاتزن بالمقارنة مع «القطط الفارسية»)؛ ففي فيلم يوسف شاهين «العصفور» (١٩٧٢) لا يذكر اسم ملحن "بهية" في العناوين (سيذكر فقط على غلاف ألبوم لأغاني وموسيقى أفلام شاهين بعد سنوات طويلة)، وفي مشاريع تخرج معهد السينما عبر عقدين على الأقل، يذكر الشيخ إمام باسم إمام عيسى إرضاء للرقابة. وبالرغم من تخفيف القبضة كثيرا في سنوات مبارك الأخيرة بفضل الإنترنت جزئيا - بل ومبكرا باعتبار المسرحية الغنائية «الملك هو الملك» (١٩٨٦) التي عرضت إعادة إنتاجها في العقد التالي على القناة الثقافية الرسمية وهي من أشعار أحمد فؤاد نجم، الصنو الشعري لإمام – لم يظهر فيلم عن نجم إلا في أعقاب الثورة، بغض النظر عن انتهازيته التجارية.

ولا تتوقف المسألة أبدا عند قمع الموسيقى السياسية الصريحة، وهو ما يمكن أن يصل كما حدث في بلدان أخرى إلى اغتيال المغنين (باڤلوس فيساس في اليونان مؤخرا بعد إبراهيم قاشوش في سوريا،١٨ ويذكر في الماضي ڤكتور جارا). وتتخذ المسألة بعدا إثنيا في حالة النوبيين، مثلا عندما اعتقلت الشرطة مرارا خضر العطار في عقد ١٩٨٠ لأدائه أغنيات عربية مناهضة للتهجير—وقت أن كانت الموسيقى ’البديلة’ في القاهرة تعلن بكلمات فؤاد حداد، الشيوعي المعتقل من قبل عبد الناصر، وعلى لسان محمد منير ومن ألحان أحمد منيب النوبيَيْن: "رجع يا نوبة عنواني / كوم امبو رايقة وأمينة".

وما يثير الاستغراب هو لماذا لم يصنع عبد الله فيلما عن مأساة المتّيلة (مستمعي الميتال) التي شهدها في مراهقته - وهذا الوصم بـ"الشيطانية" مأساة معاصرة في «القطط الفارسية»، بل جدّد فاصل قصير النسخة المصرية من المأساة في القاهرة بعد صعود الإسلاميين١٩ - أو يربط بها أو حتى يشير إليها مجرد إشارة في «ميكروفون»؟ هكذا يضيع فرصة ذهبية لإكساب عمله اتزانا في الشكل والمضمون، إن كان شباب الجيل هو ما يعنيه حقا، ولتفادي إحراج مواطنيه أمام الإيرانيين!

لكن ما يغيظ بالفعل هو تضخيم الاضطهاد الثقافي المزعوم لموسيقى جيل يحاول أن ينفتح ويهجن ويبدع في بلد موسيقاتها الأصلية هي المضطهدة. والمفارقة الساخرة (وربما الفرصة الضائعة الأخرى) وجود أغنية "زار" في الفيلم، ما يحيلنا إلى موسيقى مقموعة "شيطانية" أصيلة. والسمسمية حالة أخرى لتحالف الليبرالية الجديدة مع السلطة والنخب الثقافية معا في الحرب على الثقافات الموسيقية الوطنية،٢٠ وتعد الحرب على الموالد الشعبية مثالا كاشفا أكثر من غيره فيما يخص تحالف الشرطة والقوى الدينية٢١ وهو تحالف ألمح له الفيلم على استحياء.

وتتعمق انعزالية صناع الفيلم وأبطاله على السواء – وهم يمتعضون من الاهتمام بمعيدي أغاني أم كلثوم على حسابهم – إذا أضفنا معاناة الموسيقيين النقابيين٢٢ والتي أبرزها فيلم «هستيريا» (عادل أديب، ١٩٩٨)، وهو انفصال يشتد غرابة بعد الثورة التي يفترض تجاور مطالب الشباب فيها مع مطالب العمال. فأي معنى يبقى لجذور الميكروفون على أفيش الفيلم؟—إذا نحينا تهويمات الفيتيشية السكندرية التي تأخذ سابقتها في «هليوپوليس»، فيلم عبد الله الأول والأفضل بمراحل، إلى مستوى أعلى تماما يتضافر فيه البصري مع شريط الصوت في أغنية عن الإسكندرية تشبه قصائد الفخر القبلي التي عفت عليها القرون، مقابل بيان سياسي بديع في «القطط الفارسية» على شكل أغنية راپ عن قبح وظلم طهران، المدينة الحية دون نوستالجيا.

السينما والصراع

صراع أجيال—هذا هو كل ما يراه فنانو الجيل الصاعد في مصر. وضيق النظرة الجيلية هنا يتواضع حتى بالمقارنة مع ما يحكيه بعض ضحايا حقبة ملاحقة المتيلة عن طرد آبائهم لهم من المنزل (وهو صراع اجتماعي وسياسي يتخذ شكلا جيليا ليس إلا)، فنجد عوضا عن ذلك قصة هلامية ماسخة عن اتهام شاهين بسرقة مصوغات خالته وهروبه من الشرفة. وهو في مشهد آخر يرتل الراپ على والد خالد، وهو موسيقي معتزل مكتئب، فيطالبه الأخير بالإبطاء. وهذه اللمسة الكوميدية الذكية كانت تقبل التطوير لمعالجة الفروق الثقافية. وفي «القطط الفارسية» مثلا لمسة موازية تتضمن السخرية من الذات والآخر عندما يشكو عامل المزرعة من توقف الأبقار عن در اللبن منذ بدأ عزف موسيقى الميتال هناك. ليست المسألة اختلاف الأجيال فقط، ويقدم لنا عدم اعتراف نينا سيمون مثلا بالراپ (الأصلي)، إبداع بني جلدتها، مثالا غنيا عن التناقضات الإثنية والطبقية عند مغنية تعتبر الزواج من الرجل الأبيض تنازلا بينما تتقن الپيانو الكلاسيكي لتبزّه في ميدانه.٢٣

والإمكانات المجهضة في «ميكروفون» كثيرة. أولها التضحية بقوة القصة الأساسية التي "تاهت وسط الزحام" وهي لجوء فريق من الفتيات إلى ارتداء أقنعة خشية أهلهن وأصحابهن، وحتى المشهد المشحون في السيارة مع صاحب إحداهن يختزل بعجلة واقتضاب غريبين ومحبطين—ويبدو أن "ماسكارا" دمج بليغ بين معنى القناع ودلالات التجميل النسائي. لكن الإمكانات تشمل أيضا ما كان لوثائقي أو شبه وثائقي أن يبحثه من خبرة الموسيقيين في التجريب والتهجين (في «القطط» جملة حوارية عن الإندي-روك الكردي) وماهية التطوير الذي تم على أيديهم بعد ثلاثة عقود من ظهور الجاز الشرقي على أيدي جيل أساتذتهم، وأعني ما يشبه ترجمة سينمائية لنهج ستادز تركل في تسجيل تاريخ شفاهي عن العمل، وهو ما من شأنه أيضا عقد جسر حقيقي مع جماهير غفيرة من العاملين بأجر، ويجدر بالذكر أن عرضا موسيقيا أعيد إنتاجه مرارا منذ أواخر عقد ١٩٧٠ استلهم مقابلاته مع العمال. وينبهنا حوار في «القطط» عن السوداوية في الأغاني إلى جانب مهمل آخر هو الاتجاهات المتنوعة العدمية والأناركية وغيرها عند الجيل والمتناقضة مع استمراريات وطنية ورومانسية ومحافظة أطلت برأسها في الفيلم.

هل كان الفيلم وصفة جاهزة واستهلاكية تستغل جاذبية شكلية للجديد؟ يمكننا على الأقل أن نتعشم في ألا تكون هذه عملية واعية. (أم من الأفضل يا ترى أن تكون واعية؟!) ومما يستحق التشجيع اتجاه المخرج إلى التجريب بالكاميرا الرقمية الخفيفة دون سيناريو يذكر،٢٤ وإن كانت مرونة السيناريو لا تبرر خفة الرؤية. وفي الأفلام الثلاثة في مسيرة المخرج يبشرنا المشترك الفني بأن عالمه السينمائي آخذ في التكون ويشي بحساسية جديدة تؤكد على التفاصيل الإنسانية والفردية المرهفة في النسيج الاجتماعي. لكن الإقناع الفني يتطلب من الجيل العمل على مزيد من الربط والتحليل والاهتمام بسردية أغنى، بما سيخدم السلاسة والتدفق شكلا ومضمونا عوضا عن الارتباك الحادث. وربما على الجيل أيضا مراجعة تناقضاته الأيديولوجية، من قبيل السينيكية التي تجعل كل شيء قابل للسخرية دون ضرورة أحيانا—مثل إصدار حكم أخلاقي عابر غير مفيد على المسئول الحكومي من خلال زلة لسان "سوفتوير والا هاردكور؟" للإيحاء بأن الرجل المتشدق بالأخلاق يشاهد الأفلام الإباحية.

والمراجعات المطلوبة تشمل نقاش الشكل والمضمون، والصنعة الحرفية والفن، ومعنى الاستقلال الفني وتحديد من الجمهور ولماذا، في زمن تتأكد فيه في آن واحد تناقضات وإمكانات الاستنساخ الآلي للفن التي رصدها پول ڤاليري وڤالتر بنيامين، أي إضفاء التوحيد القياسي الصناعي عليه وانفجار أشكاله المحتملة في الوقت نفسه، بما يخدم المضامين الثورية.٢٥

إن «ميكروفون» كفيلم سياسي مدجن يؤول إلى إعلان غنائي ترفيهي طال فوق الحد لأسباب إنتاجية ومظهرية بلا دراما ولا أفكار ولم يكن يفترض بهذا أن يحدث أبدا. لكنه على أي حال ومن حيث لا يدري يكشف اختلالات محتوى الجيل الغارق في تمجيد الذات والتمحور حولها وفي الوقت نفسه إعادة إنتاج خطاب خصومه.

***

تذييل: خواطر لاحقة

بعد نشر المقال أعلاه بفترة، نويت أن أضيف عند نشره في ترسو ملاحظة - وها أنا أفعل - بخصوص الرجوع إلى حوارات المخرج مع الصحافة (العربية والمصرية تحديدا)، مستثقلا مهمة الاستغناء عنها نهائيا، بعد أن علق هو شخصيا مؤكدا أنها حوارات لم تحدث وكان لدي ما يجعلني أتفهمه وأصدقه تماما، بسبب ممارسات وتقاليد صحافتنا، الفنية بالذات، غير المهنية. النص الحالي طبق الأصل تقريبا مما سبق نشره باستثناء تعديلات طفيفة وروابط قليلة جدا جديدة. وقد اكتفيت بإلحاق هذا التذييل على سبيل مراجعة المراجعة، وهو ما أراه أشد إلحاحا، عوضا عن نسخة جديدة تماما.

كان الاعتراض الأساسي الآخر من المخرج يتعلق، طبعا، بالمقارنة (من جديد) مع الفيلم الإيراني. وهو اعتراض لم يؤرقني إلا مؤخرا جدا. فبالرغم من أنني لم أجد في المقال غضاضة من "التأثر الواضح" وكانت مشكلتي مع "ترديد مشوه" و"توسل بكل وجه شبه بعيد" و"المحاكاة الساذجة"، إلا أن السؤال الآن هو: من أين جئت (جئنا) بهذا اليقين وهذه الجرأة؟! ألم يكن الأكثر مشروعية والأولى بالاهتمام ملاحظة وتأمل (أسباب) التشابه بين الفيلمين وتعاقبهما زمنيا وحسب، وواقعي (أو عالمي) الفيلمين بالتالي؟

مشكلة المقارنة من الأساس لخصها بوضوح (بالإنجليزية) أحد المعلقين على مدونتي. لكن أحد الجوانب الجوهرية في النوع المشروع من المقارنة هو علاقتنا في مصر بالسينما الإيرانية، ليس فقط لأننا دخلنا لحظة كبرى مشابهة للحظة كبرى في تاريخها هي بعد الثورة وصعود الإسلاميين، ولكن لأننا ومن قبل ذلك داهمتنا تلك السينما المدهشة بفنيتها وخصوصيتها اللتين ساهمت فيهما طبعا الحدود المفروضة ومحاولات التعامل مع هذه الحدود. ولكن هل السينما الإيرانية ثورية؟ هل يجب أو يجوز أن نتعلم منها شيئا؟٢٦

مثال آخر: هل ’تأثر’ «حدوتة مصرية» (يوسف شاهين، ١٩٨٢) بـ«كل هذا الجاز» All That Jazz (بوب فوس، ١٩٧٩)؟ وهل كان هذا سيعني بالضرورة تفوق الأخير؟ وبالحديث عن الأفلام ذات المحتوى الموسيقي البارز، افترضْتُ قسوة زائدة في النقد أعلاه باعتبار الخفة المقترنة بالأفلام الموسيقية عبر تاريخها، وحدودها التي ربما أصبحت ترقى لسمات أصيلة (لزوميات) في هذا النوع الفيلمي. هل الحنين واحترام الكلاسيكيات وحدهما هو ما يجعلنا نعلي من قيمة «فتيات روشفور» Les Demoiselles de Rochefort (جاك ديمي، ١٩٦٧) ونهز أكتافنا أمام «لا لا لاند» La La Land (داميان تشازيل، ٢٠١٦) الذي لا يخلو من إشارات وتحيات لكلاسيكيات النوع - ربما منذ اللحظة الأولى التي تستدعي في آن معا افتتاحية «فتيات روشفور» و«١/٢ ٨» 8½ (فيديريكو فيلليني، ١٩٦٣)، إذا اعتبرنا الأخير فيلما موسيقيا؟

لكن «ميكروفون» ليس فيلما موسيقيا بالطبع وإنما فيلم عن الموسيقى. والتنوع في المحتوى الموسيقي للأفلام هائل والأمثلة لا تنتهي على الكثير العميق والمبتكر والتجريبي منها بأشكال تحدت التصنيف وخلقت مساحات جديدة. أما في حدود مصر، فربما كانت العلاقة أساسها استغلال الغناء والمغنين تاريخيا، بالرغم من محاولات متجددة لعمل أفلام موسيقية حقا واستعراضية كذلك.

لكن القسوة، بل والغلظة، هي الاستشهاد غير النقدي بسامي السلاموني، وهو ناقد جاد في زمنه ولكنه مليء بالأحكام، والأبوي منها أيضا. وصحيح أن  «البوسطجي» (حسين كمال، ١٩٦٨) رائع بل وعظيم، و’الكرنكة’ عموما مثيرة للغيظ وأحيانا القرف - حتى إذا صدقنا أن «شيء من الخوف» (١٩٦٩) هو نقد مبكر بعض الشيء لعبد الناصر، لا للإقطاع - ولكن لماذا من الخطأ أن أحب «إمپراطورية ميم» (١٩٧٢) بأريحية ولو من باب ’اللذة الآثمة’ وبتقدير للصدق أيضا؟ أما «إحنا بتوع الأتوبيس» (١٩٧٩) فمشكلته الأولى والأخيرة هي ظاهرة مصرية مزمنة تضمه مع فيلم عبد الله هذا على الأقل: مشروع فيلم قصير قوي يُمَطّ ويُمَطّ.

علاوة على ذلك، هناك غلظة الحماس الزائد الخاصة باقتراح فيلم آخر على المخرج، وأيا تكن وجاهة الاقتراحات فهذه وظيفة خليقة بمستشار للفيلم قبل وأثناء عمله. دعونا نتفق على أن هناك حدا، غير مرسوم بدقة تامة مع ذلك، لما يمكن لناقد أن يأخذ على مبدع عدم فعله، إلا إذا كانت تلك "الإمكانات المجهضة" نابعة من العمل نفسه، يكاد العمل يصرخ ملحا طلبا لها إن جاز التعبير، كنقص فني معلِّل في منتج جيد إجمالا.

ربما يكون بعضنا قد ساهم في توجس ونفور عبد الله من النقد.٢٧

وبذكر "القداسة" التي يشكو عبد الله من بحث بعضنا "المحموم" عنها، فشئت أم لم أشأ، ربما كاد «ميكروفون» يصبح أحد أفلام الأتباع cult movies، والمصطلح واسع عند البعض بما يكفي. إنها أفلام مقدسة، معبودة، عند قاعدة معجبين مرتبطين بها عاطفيا. وفي حالتنا فهناك جمهور متنوع متعلق بهذه الصورة للشباب الرومانسي المظلوم الذي سينتصر في النهاية، لم يجد بعد فيلما أفضل يمثله ويمثل اللحظة. (بالمناسبة، إنه أيضا أحد أهم مائة فيلم عربي على الإطلاق، وفق قائمة مهرجان دبي.٢٨)

أخيرا، فأثناء حديث مع أصدقاء منذ أيام، تأملنا كيف تناولت السينما فكرة الاختفاء بمعانيه المختلفة. فكرت كيف تلعب الأفلام بشكل عام، بعيدا عن التيمات المحددة والواعية، دورا سحريا وخبيثا في ذلك بالتمثيل والنفي، كأعمال مفردة وفي مجموعها، كأرشيف وأرشيف سلبي، أرشيف (مخاتل) للغيابات. هذا الطمس والإخفاء هو جوهر مشكلة من يراد أن يظهروا ويُسمَعوا في «ميكروفون».

[نشرت نسخة من هذا المقال، بدون التذييل، في معازف بعنوان "عن أي اضطهاد موسيقي يتحدث ميكروفون؟"، ونشرت ترجمة بالإنجليزية في مدى مصر، في إطار تعاون مع ترسو.]

Last Updated: 16 February 2017