إلى أين

"آمال:أرضك حلوة يا سعيد
سعيد:حلوة لكن متروكة، تسمعي هاداك رايح وهاداك مسافر، لوين؟!"

قصيدة جورج نصر البصرية في حب الوطن: وفاء السعيد

سعيد الابن الأكبر في أسرة مكونة من أخيه فريد والأم، والأب حميد الذي يضجر بالعيش في بلاده ويتمرد على واقع فقره ومعاناته كمزارع لا يجني الربح الوفير، فيتطلع بعيدًا إلى البرازيل التي كانت مهجراً وقتذاك يؤمها مئات اللبنانيين الفارين من ضيق العيش طامعين في الثراء السريع، فلا يواجهون هناك سوى المجهول. يحاول فريد أن يلحق  بالأب الغائب من عشرين عامًا، فيأتيه رجلًا غريبًا يكشف له زيف الحلم المزعوم وكذبه.

إلى أين من إنتاج عام 1957 هو الفيلم الأول لمخرجه اللبناني جورج ميشال نصر، المُلَّقَب بأبي السينما اللبنانية، يثير الفيلم في الأذهان عدداً من التساؤلات حول وضع ومكانة السينما العربية عالمياً، والأزمات المحلية للفيلم اللبناني، البلد الذي ظل لعقود طويلة أسيراً مستقبِلاً للسينما المصرية والأمريكية، فالاعتقاد السائد أنه هو من وضع لبنان على خريطة السينما العالمية بعرضه الأول في مهرجان "كان"، والذي كان بمثابة فتح كبير لهذه السينما الوليدة في مهدها، في ظل ضعف إمكانيات شديد، وافتقار لممثلين وحتى لفنيين يعملون في السينما، مما جعل نصر يستعين في تصوير فيلمه بحداد ونجّار ليصنعوا له أدوات حمل الكاميرا، ويذهب البعض بوصفه تدشينًا جديدًا لمدرسة الواقعية الجديدة في السينما العربية لما حمله  من جذور مبكرة في أسلوبيته لجينات هذه المدرسة التي هبّت رياحها على الجانب الآخر من المتوسط في إيطاليا وفرنسا في توقيت متزامن، والتي ربما نجد لها إرثًا مصريًا في المشروع المبتسر للمخرج كامل التلمساني. 

 السؤال الأهم الذي يطرحه علينا هذا الفيلم، هو عن أزمة جيل جورج نصر نفسه واغترابه، وعدم اكتمال مشروعه السينمائي. نصر الذي هرع إلى أمريكا لاستكمال تعليمه، ودرس السينما هناك وتلقى تدريباً لمدة عام في ستوديوهات هوليوود، ثم فرنسا، ذاق مرارة الغربة وعاش معاناتها، وأراد أن يعود ليصنع سينما لبنانية محلية تخص مجتمعه. رأى نصر بعينيه خطوره مشكلة الهجرة؛ إذ كان يهاجر من لبنان شهرياً ما يقرب من 1800 مهاجراً، وقد سافر نصر إلى البرازيل قبل إخراجه للفيلم بعام ليشاهد أزمة أبناء وطنه في المهجر، لا يجدون المأوى ولا المأكل الملائم. حرص نصر على أن يقدم قصيدة شعر بصرية في حب الريف اللبناني؛ إذ صوّر معظم المناظر في قرية "درعون" وأخذ لقطات بانورامية واسعة تستعرض بسخاء جمال الطبيعة والأرض اللبنانية التي يتركها أبناؤها سعياً وراء المجهول، ليقدم وثيقة بصرية واقعية لحال بلده. كما أنه أفرد مساحة كبيرة في شريطه ليصور عادات وتقاليد اللبنانيين في الأعراس من موسيقى وغناء ورقص دبكة وإعداد الموائد التي تحوي أطيب المأكولات،وإعداد سيدات الضيعة للكِبة اللبنانية الشهيرة، وخبز أرغفة التنور،وتفاصيل الحياة اليومية الريفية البسيطة التي يضجر منها الشباب ويتطلعون لما وراء البحر المتوسط بأعين متوثبة نحو مستقبل أكثر ديناميكية. ستظل تيمة "الغربة" والمنفى موضوعًا أساسيًا في سينما نصر غير العامرة بالشرائط التي لم يقبل عليها بني وطنه.

السؤال المهم أيضًا، كيف قوبل الفيلم في الداخل اللبناني وقت عرضه؟ فلم يحظَ بنجاح تجاري في صالات السينما، وبالتالي خسر إنتاجيًا، وظلت أزمة المخرج، في وجود صعوبة صاحبته طيلة حياته الممتدة لتسعين عامًا، لم ينتج فيها سوى ثلاثة أفلام روائية طويلة فقط، بينما كان الغرب ممثلًا في واحد من أهم مهرجانات أوروبا والعالم وهو مهرجان "كان"، مقبلًا على التجربة الأولى في مسيرة سينمائي عربي شاب ويحتفون بها، كان السوق اللبناني غير مؤهل لتلقي هذه الأعمال الواقعية الجادة التي لا تحمل شفرة الفيلم المصري الميلودرامي أو الكوميدي الغنائي الراقص الذي اعتاد على تلقيه العالم العربي كله. فظل فيلم نصر غريباً كغربته نفسه، وتكررت تيمة الغربة لديه في "الغريب الصغير"، ومع كل هذه الغربة الداخلية، انزوى مشروع نصر في تقديم سينما مغايرة ليجد نفسه يقدم عدداً من الشرائط  الوثائقية من رحم المؤسسة الرسمية للدولة باحثاً عن شرعية وجود أو هوية ثبوت تقدمه لمجتمعه دون أن يقصيه من جديد، وظل حبيس أعمدة الجامعة يدرس تلاميذه عن الأفلام دون أن يصنعها! حتى تذكره "كان" من جديد عام 2017 – وطنه السينمائي الأول الذي قدّمه ودعمه منذ بدايته – ليعرض له نسخة مرممة من ذات الفيلم بمناسبة مرور 60 عامًا على عرضه الأول بها، لتفتح صالات ميتروبولس بالأشرفية أبوابها لعرض الفيلم محلياً من جديد على الجمهور اللبناني.

لبنان بعيون جورج نصر: محمد طارق

في فيلمه الأول، "إلى أين" يقدم جورج نصر المعروف بأبو السينما اللبنانية، بورتريه عائلة ريفية فقيرة تعيش في ضاحية صغيرة في لبنان. يدفع الفقر وظروف الحياة الصعبة، الأب إلى الهجرة، كما تغري الابن لاحقًا، وبينما يسافر الأب فعليًا، تبقى كاميرا المخرج مع الأسرة ملتقطة معيشتها اليومية، وتغيراتها عبر الزمن، على طراز الواقعية الإيطالية الجديدة. هذا فيلم بلا أبطال تقليديين ينجحون في رحلتهم، بل ما يُعرف بال Anti -Heros، أو اللا أبطال. تصوير في مواقع تصوير طبيعية، وانتقال مستمر بين الأمل والهزيمة.

افتتاحية الفيلم تصور أراضي الضيعة الصغيرة، والبيوت الكائنة بها، مساحات من الخضرة والصخور أيضًا، هذه الصخور التي قد تمثل أصالة هذه الأراضي وقدمها، وهي أيضًا التي قد تظهر لبعض الأبطال كصخور تنحت في حيواتهم حتى تنهيها. يتناول الفيلم قضية الهجرة من خلال النقد الاجتماعي، ويتنوع بين الشخصيات التي تعبر بدورها عن توجهات في فكر اللبنانيين ذلك الوقت، فهناك الراضون بحالهم، وغير المكترثين، والطامحون للسفر بعيدًا بحثًا عن المكسب السريع في أراضي أوروبا وأمريكا.

يهتم المخرج أيضًا بتصوير العادات اللبنانية الأصيلة، من خلال تصويره للعرس في زمن طويل نسبيًا، مستعرضًا كمًا لا بأس به من تراث الغناء والرقص اللبناني، و زيهم التقليدي أيضًا، والذي يخالفه الصغار إلى حد ما وارتدائهم للبذل الحديثة، منخلعين من ثقافتهم الأصلية بشكل ما، محاولين البحث عن هوية جديدة حداثية قد توجد في ما وراء بحر ضيعتهم الصغيرة. ننتقل بعدها بذكاء إلى المقهى وما فيه من حديث عن ندرة العمل الموجود، والصعوبات المختلفة للحصول على وظيفة، والشاب المشغول بحفظ أبيات حب فرنسية مستمتعًا أو طامحًا للسفر أيضًا، وأخيرًا الباحثين عن الحب والمتحدثين عن مقابلاتهم الغرامية، وينتهى سكون هذا التجمع وجلوسه فور أن يصدم أحد الأغنياء شاباً بسيارته التي حصل عليها من عمله بالخارج، وكأن حلم الهجرة قد يهدد شباب هذا البلد الفتي أيضًا.

درس نصر السينما في أمريكا، بعد محاولات فاشلة لدراسة الهندسة المعمارية هناك، والتجارة في لبنان، وبعد حصوله على شهادته الأكاديمية، عاد إلى موطنه محملًا بطموح سينمائي كبير، وهموم اجتماعية من ملاحظته لحال المغتربين اللبنانيين، الأمر الذي أظهر تحيزه لبلده ومعالجته الاجتماعية لقضية الهجرة في أول أفلامه الروائية الطويلة. حتى من النظر إلى الأفيش يمكننا استنتاج وجود هذا الهم، فهناك رجل مُجهل يظهر في لقطة سيلويت، ناظرًا نحو الأمام، الذي يحتوي سفينة صغيرة تبحر بعيدًا عن أرضه، وصورة لوجه امراة تحتل معظم الأفيش، هذه المرأة هي الأم الباقية في لبنان، و برمزية يسهل استنتاجها هي لبنان ذاتها تنظر إلى الابن الحالم بهجرة بنظرة يملؤها اللوم والعتاب.

تكمن أهمية "إلى أين" في مساعدته على تقديم السينما اللبنانية إلى خريطة المهرجانات العالمية، حيث أن الفيلم هو الأول من بلده في المشاركة في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، نفس المهرجان الذي عاد إليه المخرج اللبناني مرتين، مرة بفيلمه "الغريب الصغير" عام 1962، ومرة أخرى أثناء استعادية وتكريمية فيلمه الأول بعد أكثر من نصف قرن في المهرجان ذاته. نصر الذي توقف رصيده عند ثلاثة أفلام روائية طويلة وبضع من الأفلام التسجيلية التي صنع معظمها بشكل ترويجي لدولة لبنان، أو إحدى مؤسساتها.

وفي مطلع عامنا الحالي، رحل نصر عن عالمنا، تاركًا علامة مميزة في تاريخ لبنان السينمائي، بتناوله الفريد لشعب لبنان، وتقديمه لمهمشيها، في وقت، لم تمتلك فيه لبنان أي هيئة لتدريس أو دعم السينما، وامتلأت صالات عرضها بأفلام أجنبية عليها. وهنا يأتي فيلم إلى أين، كفيلم أصيل، يحتفي بجمال الأرض، وعلى الرغم من طاقم عمله المليء بالفرنسيين، الا أنه نجح في تقديم صورة أصيلة ومذهلة عن قضية الهجرة، والتي لا زالت تحتل نفس الموقع في نفس البلد حتى وقتنا هذا.

آخر تحديث: ١٠ أبريل ٢٠١٩