البرج..طوابق من تراكمات المأساة والرغبة في الحياة

"حياتنا لم تكن مأساوية ولكن ما حدث معنا هو ما كان مأساوي"
جملة وردت على لسان لطفي جد وردي الطفلة محور فيلم التحريك "البرج" والذي تدور أحداثه في مدينة بيروت بلبنان،

حيث تعيش وردي البالغة من العمر أحد عشر عامًا مع عائلتها الفلسطينية كلها في مخيم اللاجئين حيث ولدت.

حينما تعلم أنك بصدد مشاهدة عمل فني يتعلق بموضع معروف أو مطروح، فأول ما يتبادر إلى ذهنك هو التساؤل عن الجديد أو المختلف الذي من الممكن أن يقدمه هذا العمل غير كل الذي قُدم من قبل عن نفس الموضوع، ولكن يزداد الترقب عندما يتعلق موضوع هذا العمل الفني بقضية مثل قضية فلسطين واللاجئين الفلسطينيين، كونها ماتزال قضية آنية، مأساة يومية لا يعيشها أهلها فقط ولكن يعيشها ويختبر ألمها العديد من البشر الذين يُشاهدون أحداثها ربما عبر شاشات التلفزيون من أي مكان بالعالم، فقضايا اللاجئين بالعالم كله تعتبر قضايا إنسانية بالأساس عابرة لأي إختلاف من أي نوع خاصة عندما تشغل حيزًا زمنيًا يقترب من السبعين عامًا.

أما على صعيد التجديد، فيمكن أن نبدأ من قرار المخرج النرويجي ماتس جرود بأن يتعرض لتلك القضية بالتحديد: قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في مخيم برج البراجنة بلبنان وذلك من خلال تقنية التحريك حيث مزج المخرج ما بين نوعين من أنواع التحريك بالفيلم وهما التحريك بالصلصال الذي استخدمه لعرض وقائع الحياة اليومية للاجئين بالمخيم والتحريك ثنائي الأبعاد لعرض أحداث الماضي بداية من نكبة مايو 1948، وربما يعتبر هذا القرار هو ما أعطى للفيلم شئ من الخصوصية، حيث لا يرى المشاهد تلك الوجوه المألوفة التي اعتاد أن يراها واعتاد على تعبيرات وجهها أو نبرات صوتها ولكن يجد نفسه أمام نوع أخر من أنواع التعبير الذي ربما يوجه انتباهه بشكل لا إرادي إلى التعاطي مع المضمون وبكل ما تمر به العائلة أكثر من الاهتمام بالشكل ومراقبة قدرة الممثلين على تأدية أدوارهم.

أما على صعيد المضمون، فعلى الرغم من كون المخرج لا ينتمي جغرافيًا إلى البشر الذين يتحدث عنهم بفيلمه إلا أنه ومن خلال معايشته لهم أثناء دراسته بالجامعة الأمريكية ببيروت أولًا ثم عمله كمدرس ثانيًا استطاع أن يلتقط مكمن تفرد الشخصية الفلسطينية: الرغبة في الحياة، تلك الرغبة التي مكنتهم من الصمود لأكثر من سبعين عامًا أمام القهر والظلم والموت والتغافل أو التواطؤ العالمي، تلك الرغبة التي عكستها حوارت وردي وجدتها ذات الروح المرحة التي تبثها في كل ركن من أرجاء منزلهم البسيط، ففي الوقت الذي يمكن أن تنهزم فيه المقاومة المسلحة، فإنه من المستحيل أن يستطيع ذلك العدو الغاشم هزيمة تلك الرغبة المتجددة مع سطوع شمس كل نهار جديد أملاً في العودة.

آخر تحديث: ١٠ أبريل ٢٠١٩