الزفاف كأداة تخفي

"يوم الزفاف" هو فيلم روائي قصير لمخرجه إلياس بلقدار، سيناريو إلياس بلقدار وجيروم بييرا، وبطولة ميلو بييرا وسعيد بلحمرا، وهو الفيلم القصير الثاني لبلقدار والذي تم اختياره للمشاركة في أسبوع النقاد الـ ٥٧ بمهرجان كان السينمائي الدولي في العام ٢٠١٨

وحصل على جائزة +Canal، الفيلم هو الفيلم القصير الثاني لبلقدار بعد أن قدم فيلمه الأول المنتج في العام 2013  Todo se puede- كل شئ جايز،  والحائز على جائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان كليرمونت السينمائي في 2014، ويتتبع بلقدار في فيلم يوم الزفاف شخصية كريم وهو محتال فرنسي يتجول في منفاه بأنحاء الجزائر العاصمة محاولاً أن يجد صيغة لحياته المشتتة بين أصدقائه وأعماله الغير مشروعة وأزماته الوجودية وملل وكآبة روتينه اليومي.

يمكنك أن تجد رابطاً مشتركًا بينك وبين الدقائق الأولى للفيلم، إذا كنت قد اعتدت السهر حتى مطلع الصباح ومن ثم الخروج للشارع في طريق العودة للمنزل، وما تعنيه تلك العودة من معنى حيث ذلك اللقاء المربك بينك وبين من يبدؤون يومهم في نفس اللحظة التي تحاول أنت أن تنهيه بعد سهرة شرب طويلة، وما يصاحب ذلك من تساؤلات ومحاولات لضبط النفس وإخفاء تلك الابتسامة التي تعتلي وجهك محاولاً أن تجد صيغة للاندماج مع تلك الكائنات النهارية، لكن مع ذلك لا ينهي كريم بطل فيلم بلقدار يومه بعد تلك السهرة، بل في الحقيقة يبدأ يوم عمل جديد، يوم آخر من محاولات البحث عن حيلة جديدة للحياة.

في يوم الزفاف ومن المشهد الأول حتى المشهد الأخير، يصحبنا بلقدار في رحلة غامضة لا تستطيع أن تعرف بالتحديد ما تخفيه المحطة التالية فيها، فمنذ اللحظة الأولى نجده المخرج يعلنها صراحةً لجمهوره بأن يكف عن التخمين وأن يتتبع رحلة بطل العمل دون توقعات، فمع ظهور البطل في افتتاحية الفيلم، ذلك الظهور الذي يخبرنا ببعض تفاصيل تلك الشخصية الغامضة الغير مكترثة لثرثرات أصدقائها، المتأملة، والتي تُظهِر قليلاً من الزهد حتى ولو تعلق الأمر برغباتها الجنسية، حتى ولو تسرب منه شعور عكس ذلك لكنه ينتهي بلا شيء، تلك الشخصية الهادئة التي تخفي شيئاً ما وراء ذلك الهدوء الذي يستمر حتى نهاية الفيلم، لكنه أشبه بذلك الهدوء الذي نراه في عيون لاعب كرة محترف يستعد للعب ضربة حرة مباشرة لإحراز هدف.

في تتابع الفيلم الذي يستمر لخمسة عشر دقيقة، نجد أن اختيارات بلقدار لصورة فيلمه ومواقعه وطبيعة شريط الصوت الذي يتخلله في بعض الأحيان لزمة موسيقية حالمة، افتتاحية أغنية فيروز "حبيتك بالصيف"، تصاحب بطل الفيلم في مشاهد سيره وحيداً في المدينة والتي تتناقض مع طبيعة تلك المهمة التي هو في طريقه لإنجازها، بالإضافة أيضاً لاختياره الدقيق  لزمان الحدث الذي يقع بين ساعة متأخرة من الليل وساعات مبكرة جداً من الصباح، كل ذلك يجعلنا نرى تلك المدينة/العاصمة من زاوية أكثر غموضاً و هدوءاً وريبة، يجعلنا نراها من عين كريم، تلك الشخصية التي تأسرك بثباتها و يقينها، رغم لحظات الارتباك الإنسانية جداً التي تظهر عليها في بعض الأحيان.

يطرح الفيلم تساؤلاً ملحاً عن تصورات المخرج لتلك المدينة، والتي يعبر عنها من خلال المسارات الغامضة للشخصية الرئيسية في الفيلم والتي تتطور مع كل مشهد في الفيلم،  بداية من مصادره السرية لتغيير العملة من السوق السوداء التي تقع تحت طائلة القانون في الجزائر، مروراً برحلته السرية مع أحد هؤلاء اللذين صاحبوه في سهرته، وصولاً إلى ذلك المكان البعيد عن المدينة المطل على البحر مباشرة ولقائه بهؤلاء الشباب، انتهاءً بإتمام مهمته التي تأخذ من موكب زفاف غطاءً لها.

كل تلك اللحظات  منذ بداية الفيلم لنهايته، تتخللها ملامح وتفاصيل تحكي بذكاء عن ليل تلك المدينة وعالمه الملئ بلحظات انتصار وأخرى محرجة، وأفكار عن عالم المدينة السفلي وديناميات العلاقات فيه وأكواده وحيله للتعامل مع واقع معقد ومركب، والذي يدفع الفرد في كثير من الأحيان لابتداع أساليب تستخدم أحد التقاليد الاجتماعية كوسيلة خداع في مواجهة الدولة وقوانينها من أجل تمرير صفقة تعاقب عليها تلك القوانين، لكن التقليد الاجتماعي في كثير من الأحيان يجد لنفسه مكاناً فوق القانون الوضعي، إلى الدرجة التي تصل في كثير من الأحيان لاستخدام قوة هذا التقليد وفبركته للتستر على ما يعاقب عليه القانون الوضعي، لينتهي الفيلم بذلك العالم الموازي تماماً للعالم الذي اصطحبنا فيه المخرج منذ البداية والذي يحيا فيه بطل الفيلم. طارحاً تصوراً آخر لتلك الشخصية الرئيسية، مؤكداً على ما طرحه في البداية من الكف عن التخمين وتتبع رحلة البطل دون توقعات.

آخر تحديث: ١٠ أبريل ٢٠١٩