"المرجوحة".. عن البشر المتأرجحين بين لعبة الموت والحياة

"الألم كما المرض أو الموت، هو فدية للبعد الجسماني للوجود، كل فرد منذور للهشاشة... لكن إذا كانت الشيخوخة والموت قدرًا لجسده فإنهما أيضًا شرط لنكهة الحياة"
- كتاب تجربة الألم، دافيد لوبورطون

فيفيان (بلهجة اختلطت فيها اللبنانية بالفرنسية): "يا الله! كنا عايشين. كم كان ذلك جميلًا، كنا مفعمين بالنشاط، اليوم نحن على حافة القبر."

أنطوان: "هذه هي الحياة! نحن نمر فقط. كل واحد على هالطريق بيكبر، وبيختير، وبعد شوي بيقولوا له أوريفوار."

  • "الكنبايات أحسن منا !"
  • "إيه طيب شو بنعمل؟! الكنباية ما بتتحرك"
  • "الكنبايات بعدن متل ما هن! .. طيب شو بنعمل؟!"
  • "ما بنعمل شي. بنقول شكرًا لله وبس."
  • "لشو بيخلَق الواحد؟!"
  • "لا نستطيع فعل شيء حيال ذلك! نحن متفرجون، وممثلون في نفس الوقت!"
  • "ما عدت أنتمي لهذا العالم بعد الآن. نسيت كل شيء!"

"المرجوحة" هو الفيلم الوثائقي الأول لمخرجه سيريل عريس بعد أن بدأ مسيرته المهنية بعدد من الأفلام الروائية القصيرة. يطرح سيريل أقدم وأعرق الأسئلة الوجودية الفلسفية المحيّرة ببساطة عميقة من خلال قصة واقعية من داخل أسرته.

يظهر تعاقب الفصول بشدة في لبنان ذلك التناقض بين الثلج الذي يكسو الجبال، بينما يذوب في الصيف لتكسو البلاد الخضرة، هكذا اختار سيريل تقسيم شريطه إلى فَصْلي شتاء وصيف، بينما كان الشتاء طويلًا ومعتمًا، كذلك كان الفصل الأكبر في فيلمه. اختار تصوير جَديْه المسنين اللذين يجلسان في نطاق منزلهما. مثل الموقع الوحيد للفيلم الذي لم تغادره الكاميرا، كون المنزل قد أصبح العالم والمساحة الوحيدة بالنسبة لشيخين يترقبان دنو الأجل بين لحظة وأخرى، بل وفي حالة أنطوان، يتمنى حضوره مسرعاً. في خضم تلك المآسي التي تفوق الاحتمال، تموت الابنة الغالية على قلب أبويها ماري تيريز وعمة المخرج أثناء رحلتها إلى الأرجنتين، وهنا يعتمر الموت قبعة أخرى، ويظهر للأسرة بقناعٍ مختلف، فشبح الموت المخيم على المنزل بجثوم ثقيل كثقل الزمن ومروره وانقضائه بطيئًا مملًا مكرورًا، يسخر الموت منهما، هما المعمران، ليصيب ابنتهما بدلًا منهما، فأنطوان كان قد بلغ عامه التسعين وهاهم الأبناء والأحفاد يجتمعون حول تورتة لن تتسع لشموع سني عمره التسعين، أضاءوا بها بعض الشموع كعينة من هذه السنوات، بينما عينيه الدامعتين تأثرًا من التفاف عائلته حوله مترددتان تتساءلان بل تستصرخان كل من حوله، وكأن لسان حاله يقول "أرجوكم أخبروني أين ابنتي؟لماذا لم تعد تظهر بعد الآن؟ولماذا هي ليست موجودة بيننا؟"

الجميع أخفى خبر وفاة الابنة عن الأب خوفًا عليه من عدم قدرته على احتمال الخبر، فبات الهمّ مضاعفًا على قلب زوجته فيفيان التي تجرعت آلام فقدان الابنة. نراها أغلب الفيلم منزوية في ركنٍ تئن في هدوء وقد وضعها سيريل أحيانًا في كادر داخل الكادر تكتم صراخها الدفين على الابنة التي ماتت غريبة، وعليها أن تكتم كل ذلك بجَلَد غير عادي يجعل من هذا الفيلم ملحمة إنسانية شديدة الرهافة والحساسية في العلائق التي تتجلى بين زوج وزوجة لم يبق لهما سوى بعضهما في زيجة استمرت 65 عامًا.

المرجوحة التي تهتز خاوية من الأحبة الراحلين، بينما أظهرت لنا مادة فيلمية من الأرشيف الخاص بالفيديوهات المنزلية للأسرة أن ماري تيريز كانت تملأ تلك المرجوحة حياة وحركة وهي جالسة عليها مع أمها يحتسيان القهوة ويراقبهما الأب في سعادة وغبطة عندما كانا أكثر شبابًا.

خلافًا لكل التوقعات، تموت فيفيان قبل أنطوان ليلعب الموت لعبته الأخيرة تاركًا الحيرة والتساؤل عالقًا!

آخر تحديث: ١٠ أبريل ٢٠١٩