حب بري

في بداية الحرب في سوريا، قرر بنك البذور "إيكاردا" أن ينقل مقره من حلب إلى البقاع بلبنان على بُعد بضع الكيلومترات من الحدود السورية.

وبدلاً من نقل بنك البذور "الحَبّ" بالكامل من حلب، استدعت إيكاردا ما كانت أودعته من عينات في البنك العالمي للبذور، وهو بمثابة أرشيف الكوكب الأكبر للتقاوي من الزراعة والبرية على السواء، ويقع مقره في جزيرة نرويجية بالقرب من القطب الشمالي، لإثماره في البقاع في لبنان لإكثار تلك التقاوي ثم حفظ عينات منها مرة أخرى، أي بشكل أبسط عمل نسخة من بذور البنك الأصلي في حلب من خلال نسخة أخرى مودعة بالقطب الشمالي. اختفت أغلب الأصناف المحلية من البذور الآن نظرًا لاحتكار بعض الشركات الدولية للتقاوي في السوق العالمي وفي حركة البيع والشراء.

تستثمر جومانا مناع، مخرجة ومؤلفة الفيلم، وجود أرشيفات جينية تحمل ما يقرب من 13000 سنة من تاريخ النباتات التي نزرعها أو نجدها حولنا، لإرساء ذلك البعد الأبوكاليبتي الكارثي الطابع لفكرة بنوك البذور التي تحولت إلى ما يقرب من المتحف نظرًا لاختفاء تلك تلك التقاوي الزراعية والبرية خارجها. في هذا الإطار المنذر بالسوء للتنوع البيئي، يعرض "حب بري" 12 شهراً لحياة أناس مختلفين من سوريا ولبنان والنرويج والذين يملكون علاقات مختلفة مع الأرض.

يتتبع "حب بري" من خلال رحلة البذور وتقاطعها مع حركة المنتجين لها علاقة الأشخاص في تلك المناطق المختلفة التي سافرت إليها البذور باﻷرض ونباتاتها المحلية والدخيلة. وخلال تلك الرحلة، نتعرف على بدائل قائمة تهتم بالحفاظ على التنوع وتحاول التنبيه لخطورة سيطرة الشركات الدولية على مقادير السيادة الغذائية لشعوب في أغلبها فقيرة. تصبح تلك الأسئلة ملحة في محيطنا المحلي خاصة في ظل تكرار الأزمات الغذائية، وسيطرة التقاوي المستوردة وطردها لبدائلها المحلية الأكثر تنوعًا والتي يتحكم فيها المزارعين والمزارعات.

ربما من المفيد أحيانًا أن نرى أفلام من خلال أعمال أخرى حولها، مثل "حب بري" و"قبل أن أنسى" لمريم مكيوي. حيث يجمع بين الفيلمين عرضهم لأول مرة في مهرجان برلين وتشاركهم مع بعض من الأفلام القريبة منهم في الانشغال بموضوعات مثل الذاكرة الجماعية وعلاقتها بالأرشيف، وكذلك في استشفاف وتخيل سيناريوهات مستقبلية تتغذى على معطيات واقعية عن تدهور الاتزان البيئي وقربنا من مستقبل مجهول تتحول فيه علاقتنا مع الطبيعة بشكل سريع وغائر الأثر.

آخر تحديث: ١٠ أبريل ٢٠١٩