"حمادة" .. أن تكون عالقًا في صحراء قاحلة

هذا الموات والخواء هو ما يصطبغ به أهل هذه المنطقة الخاوية المقفرة المترامية، والتي بالرغم من كل ذلك هي محل نزاع سياسي تاريخي لم ينتهِ حتى الآن بين الأطراف المتنازعة عليها.

بدأ المخرج الإسباني إلوي دومينجويز سيرين شريطه التسجيلي الممتد لما يقرب من تسعين دقيقة بلافتة تعريفية على تترات البداية، أشبه بطريقة قواميس اللغة لما تعنيه كلمة "حمادة": اسم. (جيولوجي) بقعة صحراوية تتكون من منطقة مسطحة صخرية، تخلو أساسًا من الرمال، بين قاطني المنطقة من الصحراويين تشير أيضًا إلى "الخواء" أو "الموات".

هذا الموات والخواء هو ما يصطبغ به أهل هذه المنطقة الخاوية المقفرة المترامية، والتي بالرغم من كل ذلك هي محل نزاع سياسي تاريخي لم ينتهِ حتى الآن بين الأطراف المتنازعة عليها.

يفتتح الفيلم بإحدى شخصياته الرئيسية سيدأحمد وهو في حالة من التهويم بين الحلم واليقظة، يروي حلمًا أو كابوسًا مروعًا ملخصه أنه عالق في الصحراء، يسمع صوت البحر لكنه لا يستطيع أن يقترب، تحت الشمس الحارقة يذوب، وليس له أي منفذ للخروج، وينزوي صوت البحر بعيدًا بينما قدميه وذراعيه لا يقويان على الحركة، ثم يظهر معه باقي شخصيات الفيلم، كنقاط بعيدة، أو أشباح، أو ربما ظلال!

  الكادرات الواسعة البعيدة التي تُظهر ضآلة أجساد الشخصيات بالنسبة لتلك الصحراء الواسعة المهولة كأنهم حبات رمال، كأنها تبتعلهم في جوفها وهم أصغر من تحديها أو الصمود أمامها.

كل شخصية من هؤلاء تحمل همًا يؤرقها فهم يعيشون في مخيم لاجئين ممزقين بعيدين عن وطنهم، يحلم سيد أحمد بالهجرة إلى إسبانيا وعبور البحر المتوسطـ، وفي حديث له مع إحدى زوار الصحراء الذين يخرج معهم في رحلات برية، قال لها أن الصحراويين لا يعرفون من أوروبا سوى إسبانيا.

كذلك يشير الفيلم لوضع المرأة في مجتمع المخيم الصحراوي، من خلال شخصية Zaara التي تسعى لامتلاك سيارة، وأن تجد وظيفة رغم مسحة الكوميديا التي تحيط بشخصيتها. ويشير الفيلم إلى حياتها الروتينية اليومية، وآمالها وطموحاتها الذاتية. كما نرى زيها التقليدي الصحراوي الذي تختبئ خلفه، وهو يشبه زي المرأة الموريتانية نظراً لقرب المنطقة من دولة موريتانيا، وامتداد الثقافة التي تجمع بين الشعبين بينما فرّقت بينهما الحدود المصطنعة.

يثير الفيلم تساؤلات عديدة حول وضع هؤلاء البشر المنسيين وأزمتهم الحياتية، وهم محاصرون دائماً بهذا السجن. هذه الأزمة الممتدة عبر عقود طويلة تعرف بـ "أزمة الصحراء الغربية" حتى بات يصفها البعض بالأزمة المستعصية على الحل. كانت تقع منطقة الصحراء الغربية تحت الاحتلال الإسباني حتى أواخر القرن العشرين، وهي اليوم ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المحكومة ذاتيًا. تشكلت جبهة البوليساريو للمطالبة بالاستقلال، ولتحرير الصحراء الغربية من الاحتلال الإسباني، واليوم يعتبر الإقليم منطقة شائعة متنازع عليه من قِبل دول الجوار، وهي المغرب وموريتانيا والجزائر، وبذلك أصبح جزء من الصحراء ينتمي لدولة والجزء الآخر ينتمي لدولة أخرى بينما كانوا في الأصل وحدة واحدة، وهذا ما أراد الفيلم تجسيده من خلال تصوير المعاناة الحالية لأبناء هذا المنطقة التي عانت ويلات الاستعمار، ومازالت أزمتها بحاجة إلى التركيز بعيدًا عن التقارير والإحصائيات الرسمية والدولية للأمم المتحدة التي لا تجد في هذه المنطقة سوى منجمًا طبيعيًا للمعادن الطبيعية من فوسفات وغاز طبيعي وربما نفط، بينما السينما تحاول السينما أن تبرز ما لا تقوله تلك الإحصائيات والتقارير من واقع وحقيقة مُعاشة لبشر وأفراد عالقين في وضع غير إنساني لا يبالي بأزماتهم أحد.

وبعد رحيل الاستعمار شيّدت المغرب جدارًا رمليًا ممتداً على آلاف الكيلومترات لعزل المناطق الصحراوية الغنية بالفوسفات فشكّل الأزمة التي يعاني منها أبطال الفيلم بإقصائهم بعيدًا كلاجئين عن عائلاتهم ووطنهم، ويأخذنا الفيلم في رحلة إنسانية مع شباب هذا المخيم المعزول بفعل الجدار.

آخر تحديث: ١٢ أبريل ٢٠١٩