حياة أوسع من عيني رجل أو «أعين مغلقة على اتساعها»

"منذ ملايين السنين من التطور، أليس كذلك؟... الرجل مهموم بوضع قضيبه في أي مكان يطاله، أما المرأة... فجل ما يعنيها عنه هو الأمان والالتزام…"

"منذ ملايين السنين من التطور، أليس كذلك؟... الرجل مهموم  بوضع قضيبه في أي مكان يطاله، أما المرأة... فجل ما يعنيها عنه هو الأمان والالتزام…"

لو علمت أن هذه الجمل قيلت في إطار شجار بين زوجين عرفا لتوهما أن كلاهما تعرض لإغواء جنسي من غرباء في حفلة الأمس، فالأغلب أنك سترجح أن المرأة هي من قالتها لتبرير لماذا لا يمكن أن تتأثر هي بالإغواء ولإبداء تشككها حيال أن زوجها لم يستجب، كما يدعي، لإغواء الفتاتين الفاتنتين. في «أعين مغلقة على اتساعها» (ستانلي كوبريك، ١٩٩٩)، يحدث العكس: تردد الزوجة، آليس هارفورد (نيكول كيدمان)، هذه الكلمات كإعادة صياغة غاضبة لما يريد الزوج، ويليام "بل" هارفورد (توم كروز)، قوله

بوسعك أن ترى، وبشكل اعتيادي، في المعالجات السينمائية والفنية عموما، امرأة تعاني تحت ثقل القناعات البالية عند الذكور عن طبيعتها كأنثى. أما هنا فلدينا ذكر يرزح تحت وطأة قناعاته هو البالية عن الأنثى، ذكر بقناعات ذكورية لا يستخدمها للتسلط أو لمنحه حقوقا استثنائية، وإنما لتبقيه هادئا تجاه العالم وعلاقاته، وفجأة يجد نفسه مجبرا على مواجهة زيف تلك القناعات، ويكتشف عجزه عن التعامل مع العالم/الأنثى بلا قناعات. زاوية فريدة ونادرة للنظر إلى وطأة العلاقات العاطفية يبدأ بها كوبريك فيلمه الذي أراه رحلة هروب، أو بحث (عن قناعة جديدة)، لذكر كان يستخدم إرثه الثقيل من القناعات الذكورية لتبقيه لطيفا داخل علاقاته العاطفية وفجأة تعمل تلك القناعات ضده.

ليست القناعات الواقعية والدقيقة هي أجدر القناعات بالتبني وإنما تلك التي تحافظ على سلامك (سالما ومسالما)--هذه النتيجة التي تبدو عميقة بما يكفي هي أولى الضلالات التي يحاول الفيلم تجاوزها. تبدأ أحداث الفيلم بالتصاعد عندما تقرر آليس دفع زوجها بِل، الطبيب الناجح، إلى التخلي عن قناعاته وبالتالي هدوئه. بل هو من يروج للمعنى القائل بأن معظم الرجال يبحثون عن موضع لقضيبهم بينما تبحث النساء عن الأمان، ليكشف مصدر هدوئه، ليبرر عدم غيرته وتفهمه لسلوك الرجل الذي كان يراقص بالأمس زوجته، والذي لم يستطع بسبب جمالها أن يقاوم التفكير بها جنسيا، ولماذا لا يفكر هو باحتمال استجابتها له؛ وليشرح أيضا أن مخاوف زوجته من تعرضه للإغواء المستمر من النساء ليست منطقية: فالنساء ببساطة لا يفكرن بهذه الطريقة المتحرشة بل يفكرن بالأمان.

آليس التي ضجرت من هدوء زوجها (أو ضجرت من غيرتها) تقرر باندفاع وعدائية، مبرَّرة أكثر من هدوئه، أن تفجر له فقاعة قناعته التي تبقيه هادئا؛ تذكره برحلتهما الصيفية في العام الفائت وتحكي له عن الضابط البحري الذي لمحته في الفندق والذي لم يعطها سوى نظرة؛ نظرة وجاذبيته فقط كانتا كفيلتين بإشعال رغبتها بهذا الضابط، كفيلتين بأن تجعلها، في تلك اللحظة، ترى الأمان الذي يمنحها إياه الزوج شيئا باهتا ورديئا بما يكفي لرميه تحت أقدام هذا الغريب؛ تخبره أنها خطر ببالها أن هذا الغريب لو كان يريدها ولو لليلة واحدة لكانت مستعدة للتخلي عن كل شيء لتكون معه، التخلي عنه وعن ابنتهما وعن مستقبلها اللعين كله.

أنا غيورة وغير هادئة لأنني لست حمقاء وأنت هادئ لأنك أحمق بقناعات سطحية. ماذا لو لم أكن حبيسة الأمان الذي تمنحني إياه؟ ماذا لو لم أكن روبوتا مصمما لتجاهل إعجابه بالآخرين وإبدال رغباته بأمانه دائما؟ هذه خلاصة شجارهما. وقد نجحت آليس بالفعل في هدم تلك القناعة التي يحتمي بها: بِل اتسعت عيناه قليلا بذهول أثناء حكيها عن مغامرتها المتخيلة مع الضابط البحري. ولا يسمح له الوقت بإبداء رد فعل إضافي، إذ يستقبل مكالمه هاتفية من ابنة أحد مرضاه والذي مات للتو فيخبرها أنه آتٍ. 

قبل أن يدخل بل بيت المتوفي كانت دماغه مكتظة بمشاهد جنسية بين زوجته والضابط البحري وكأنه يكمل بنفسه ما لم يكتمل في الواقع، يكمل الحكاية التي سمعها لتوه من زوجته، يتجاوز حقيقة أنها مجرد رغبة لم يعبَّر عنها. فقط يبدأ بتخيل حدوث الخيالات. هذه المسافة بين الواقع وخيالاته/خيالات زوجته تتلاشى عندما يدخل بيت المتوفي، إذ تجسد ابنة المتوفي القصة نفسها وتملأ المسافة؛ هي أيضا امراة تعرفه بالكاد، تتجاهل جثة أبيها وتلقي تحت قدميه هو بكامل حياتها القادمة - المخططة بعناية والمكتظة بتفاصيل الزواج والانتقال إلى بلد آخر - وتعبر عن إعجابها به. لقد أعطته دور الضابط البحري وهو لا يزال عالقا في دور الزوج؛ تقبله بشكل مفاجئ كأنه الضابط فيخبرها بلسان الزوج أنها بالكاد تعرفه وأنهما لم يتكلما من قبل إلا عن والدها؛ تسكته بلهفتها وتكرارها الأعمى لكلمة أحبك؛ يصل زوجها المستقبلي إلى البيت فيتأهبان لإخفاء ما حدث عنه. يشاهد بل قصته مجسدة أمام عينيه. يرى الزوج/نفسه مغدورا وغافلا عما يحدث من حوله؛ يري زوجا لطيفا ملهوفا على المواساة ولكنه لا يستطيع أن يحوز قلبها لمجرد أنه لطيف؛ يبارك بل علاقتهما ويرحل وقد تأكد بقسوة من أن النساء لسن روبوتات مبرمجة على إبدال رغباتها بأمانها دائما. 

كثيرا ما أرى إخفاقا جميلا في هذا الفيلم؛ جميلا لأنه يقبع بهدوء وبدون تشويش إلى جانب الروعة التي تملأ الفيلم. هذا الإخفاق - الذي ألمحه أحيانا ويختفي أحيانا كأنه لم يوجد من البداية - هو إخفاق في قدرة المعنى الكلي للفيلم في الوصول واضحا ومتسلسلا من وسط ضجة التفاصيل وسطوتها، فتفاصيل الفيلم المدهشة والثقيلة لا تستطيع أن تحيل إلى معانٍ جزئية متسلسلة ومترابطة لأنها، بسبب زخمها وكثافة الحالة التي تنتجها، تحيل إلى نفسها أكثر؛ فتبدو غالبية المشاهد ذات معنى مركزي لا يحتاج إلى الربط بمعانٍ أخرى، كأنها تأتي لتأكيد وتكرار معنى كلي منتهٍ يعاد إنتاجه منذ بداية الفيلم. هذا الإخفاق المتعلق بقدرة البنى الدرامية على الترابط لإنتاج معنى أوسع من المعنى الذي ينتجه كل جزء فيها منفردا كثيرا ما حفزني على الكتابة عن الفيلم، أو كتابة شيء على غراره كتمرين محاكاة للتأكد من أن ما أراه هو ما أراد كوبريك قوله وليس ما أريده أنا أن يقول. بل كان هذا الإخفاق من أشد ما ربطني بالفيلم، وأعتقد، في كل الأحوال، أن الحديث عن إخفاق كهذا هو حديث في صلب المعاني الجوهرية للفيلم.

فلو تجرأنا على إبطال سحر قصة الفيلم وجردناها كمحاولة لتأويله ستظهر بوضوح خمس مراحل يمر بها بِل قبل أن يصل إلى النتيجة النهائية أو القناعة الجديرة بالتبني. هذه المراحل هي:

  1. الانهيار المفاجئ لقناعاته التي تبقيه داخل مساره الهادئ؛
  2. بل عاريا من القناعات وخارج مساره الهادئ؛
  3. يبحث في الحياة خارج مساره عن قناعة جديدة يغطي بها نفسه؛
  4. الحياة نفسها تخبره بأن قناعاته الجديدة مليئة بالثقوب؛
  5. بل منهك من البحث عن قناعات. (ثم يأتي بعد ذلك الوقت المناسب ليعلن كوبريك النتيجة النهائية أو القناعة الجديرة بالتبني.)

بالطبع لا يريد كوبريك أن تكون هذه المراحل الخمس واضحة ومتعاقبة بفواصل ظاهرة بل يريدها متداخلة ومباغتة حتى تزيد من ضبابية الحالة والتخبط الذي يعيشه بل. وهذه الرغبة في إنتاج الضباب والتخبط هي ما دفعت كوبريك لتكثيف زمن عالم الفيلم؛ فالمراحل الخمس تحدث في ليلة واحدة تقريبا، ولكن هذا الضيق الزمني وسرعة الانتقال من مرحلة لأخرى لم يسبب فقط تداخلا في المراحل بل حرق بعضها أيضا--أو جعل ملاحظة وجود إحداها أمرا صعبا للغاية. فإيقاع الفيلم الذي التهم المرحلة الثانية (بل عاريا) وحصرها في موقفين عابرين أثناء تسكعه في الشارع (تأثره غير المعتاد بتحرش جماعي من شباب وصفوه بالمخنث بسبب مظهره البورجوازي، وتقبله غير المعتاد لإغواء عاهرة لا يقيم معها علاقة بسبب حدث عارض ويكتشف لاحقا إصابتها بفيروس نقص المناعة البشري)؛ هذه المشاهد التي كان يُفترض أن تنتج معنى خاصا بخطورة وثقل الحياة خارج مساره لم تؤد هذه الوظيفة الإحالية لوقوعها مضغوطة بين مرحلتين كان الإيقاع فيهما بطيئا والحالات مكثفة، فظهرت عابرة كأنها استراحة بين حدثين كبيرين.

غالبا ما تحتل مشاهد المرحلة الثالثة (يبحث خارج مساره) مساحة كبيرة في ذاكرة وتأويل مشاهدي الفيلم. يدخل بل بسبب مجموعة من الصدف بيتا يشهد طقوسا غرائبية، مجموعة صدف جعلته يعرف كلمة السر والأزياء التنكرية التي تسمح له بالتسلل إلى هذا البيت متخيلا أن الأقنعة التي يرتديها كل الحاضرين ومعرفته بكلمة السر ستحول دون اكتشافهم المتسلل؛ بيت مغلق على حدث غريب: أناس يمارسون جنسا جماعيا ولكن بنظام ووقار كأنهم يؤدون عبادة ما؛ التعري بميعاد، كل النساء عاريات إلا من أقنعة، ويبدو أن هناك تسلسل ما في أفعالهم كأنهم يتبعون نظاما يحفظونه مسبقا. من هؤلاء غائبي الوجوه؟! أهناك معنى أكبر من الجنس فيما يفعلون؟ أحيانا كنت أرى قناعه مندهشا وأحيانا خائفا. مشاهد هذا البيت جميلة لدرجة أنها تحبسك بداخلها وتعيق ربطك لها بباقي الفيلم وكأن ما سبق كان مجرد تمهيد لدخول البيت. نحن أمام شخص محاط بأشخاص ذوي أقنعة موحية بتعبيرات ثابتة كأنهم معانٍ وليسوا أناسا، وهو خلف قناع لا ترى من خلفه وجهه الذي يرى هذا العالم الغرائبي وهو معلق بين دهشته وخوفه من انكشاف أمره، موسيقى تكرس للطابع الأسطوري، صورة زاخرة بكل ما يجذب الانتباه، أجساد عارية جميلة ومتناثرة في كل أرجاء المكان، إضاءة تغلف المكان بالإبهام. كل شيء جميل وغامض إلى درجة تحبس ذهنك في التفاصيل الأيقونية وتجعل من تلك المشاهد شيئا ذا معنى مركزي مبهم يطغى على المعاني السابقة واللاحقة في الفيلم.

يحاول بل السيطرة على كل المشاعر التي انتابته داخل هذا البيت بعد طرده وتهديده. يحاول اختزال الدهشة، الغموض، الخطر، الفضح، بالتركيز على معنى واحد: المرأة التي فدته، امرأة مقنعة ربما لا تعرفه ولا يعرفها كشفت تسلله من اللحظة الأولى، فتكتمت على هذا الأمر وحذرته من خطورة وضعه ونصحته بالمغادرة، وبعد تجاهله لتحذيراتها وانكشاف أمره، وقبل أن يبدأ عقابه أمام كل من في البيت، قررت فداءه بنفسها. خرج بل وهو لا يعلم ماذا كان سيحدث له لو لم تُفْده تلك المرأة وماذا سيحدث لها، ثم يقرأ في الصحف عن ملكة جمال سابقة ماتت من جراء جرعة مخدرات زائدة. يذهب إلى المستشفى. يرى جثتها. إنه جسم المرأة العارية المقنعة التي فدته بالأمس.

قبل أن يتمكن بل من استيعاب هذا الفداء وربطه بالمعاني التي ألقتها زوجته في رأسه بحكايتها مع الضابط البحري، قبل أن يميز هذا المعنى وهل هو مشابه أم مناقض للمعاني التي يهرب منها، يستدعيه أحد أصدقائه--الثري صاحب الحفلة التي تعرض فيها هو وزوجته للإغواء في بداية الفيلم. يخبره الثري بأنه يعلم بقصة الأمس وأنه من مرتادي ذلك البيت وأنه تعرف عليه عندما أُجبر على خلع قناعه أمام كل الحضور. ويقدم له تفسيرا غير أسطوري ومناقضا للفكرة المبهمة في ذهنه عن ذلك البيت: فهذا البيت مجرد مكان يلتقي فيه الأثرياء والطبقة الحاكمة لممارسة الجنس وأن ما رآه مجرد أسلوب للترفيه وأن تسلله كان أمرا مكشوفا منذ دخوله وأن ما حدث بعد ذلك من تحذيرات وتهديد ثم فداء المرأة في اللحظة الأخيرة كان أمرا مخططا لاحتواء تسلله، مجرد مسرحية لإرعابه لئلا يتحدث عما رآه، وأن هذه المرأة التي رآها في المشرحة هي نفسها من فدته ولكن ليس لموتها علاقة بهذا فهي ككل المدمنين معرضة بشدة لحادث كهذا.

أي الروايتين يصدق؟ تصديقه لرواية الثري أي عدم جدية ما حدث يعني أنه ليس ثمة فداء، ليس هناك أي معني لما حدث له. هو يبحث عن معنى منذ انهارت قناعاته في بداية الفيلم، معنى إما يفلت به من المعانى الثقيلة التي ألقتها زوجته عليه أو يؤكدها. يمضي الفيلم بعد هذا ليزيد من تأرجح بل بين الروايتين، من عدم قدرته على استخلاص أي معنى لما يحدث له، ويظهر بل وكأنه لا يريد الرجوع إلى بيته من دون معنى أو قناعة تساعده على الدخول مجددا إلى مساره الهادئ، ثم ينهار منهكا من البحث عن معنى ويعترف لزوجته بكل ما حدث في اليومين الماضيين.

يلخص حوار الزوجين في آخر مشاهد الفيلم القناعة الجديرة بالتبني من وجهة نظر كوبريك، وإن بشكل مربك قليلا. فبرغم تورط هذا الحوار الأخير في لغة الرواية القصيرة المأخوذ عنها الفيلم («قصة حلم»، ١٩٢٦، للكاتب النمساوي آرتور شنتسلر) أكثر من تورطه في لغة الفيلم نفسه، وبالرغم من هذا التداخل اللغوي الشبيه بالتداخل بين الحلم والواقع وصعوبة استخلاص معانٍ في هذه الأجواء الملتبسة، فإن هذا الإبدال للغة الفيلم بلغة الرواية، أو هذا الظهور المفاجئ للأخيرة، لم يشوش كثيرا على ظهور القناعة الجديرة بالتبني والتي يكرس لها الفيلم بلغته الخاصة، وهي قناعة من قبيل: توقف عن البحث عن معانٍ تغطي بها نفسك. توقف عندما يكون البحث عن قناعة مرهقا أكثر من العيش بدونها. إغماض عينيك عن أحداث يحتمل أن يكون لها معانٍ تزعجك أسهل من تأويلها لتنتج معانٍ تلائمك. وإن كانت السنوات السبع عشرة التي مرت على إنتاج هذا الفيلم مرت من دون أن تشاهده، أو من دون أن تشاهده بإمعان، على الأخص بنسخ رقابية مقطوعة أو مبتورة أو ممزقة، فأمامك رحلة في حياة كاملة في ليلة في ثلاث ساعات إلا الثلث في انتظار أن تعيشها.

آخر تحديث: ٠٢ فبراير ٢٠٢٢