شفاعات وفاطمة: قدرة امرأة وقدرة أخرى

العَلَقة هو ترجمة الاسم التجاري الذي عُرض به فيلم «شباب امرأة» في مهرجان كان: The Leech، وهو نوع من الديدان يلتصق بالكائنات لامتصاص دمائها، في عام إنتاجه ١٩٥٦.

العَلَقة ولعبة صلاح أبو سيف

العَلَقة هو ترجمة الاسم التجاري الذي عُرض به فيلم «شباب امرأة» في مهرجان كان: The Leech، وهو نوع من الديدان يلتصق بالكائنات لامتصاص دمائها، في عام إنتاجه ١٩٥٦. وبرغم أن ترجمة الاسم الحرفية، A Woman’s Youth أو Youth of a Woman، كافحت إلى جانب العَلقَة، إلا أن العَلقة انتصر في النهاية في المهرجان. وربما كان نجاح الاسم أيضا ضربة حظ أثبتها الزمن، حين اكتُشفت فوائد طبية وصحية مبهرة للعلقة ما زالت تتزايد يوما بعد آخر.

«شباب امرأة» ليس فيلما عابرا في تاريخ السينما المصرية ولا في تاريخ صلاح أبو سيف؛ جمع ممثلين وطاقم عمل قادرين على إنجاز فيلم عالي الجودة، مع تصوير سينمائي رائع لوحيد فريد في شريط لعبت فيه الصورة الصامتة دورا أساسيا. وبرغم أن ’مخرج الواقعية’ نفسه لم تكن لديه القدرة على تحدي المجتمع والجمهور في ١٩٥٦، إلا أن «شباب امرأة» لا يصح اعتباره مجرد فيلم مكرر عن امرأة شهوانية توقع بالرجال.

كان أمام أبو سيف قصة ذات شخصيتين غنيتين كتبها أمين يوسف غراب، أحد الكتاب المفضلين لدى مخرجي الجيل. الشخصية غير النمطية الأغنى والتي لم تصورها السينما المصرية بهذا الشكل - ولا العالمية إلا نادرا في ذلك الوقت - هي شفاعات (تحية كاريوكا). أبو سيف مخرج عابث يحب اللعب والصدمات في أفلامه الجيدة، كسول في أفلام أخرى يصعب أن نصدق إنها من إخراجه مثل «لا أنام» (١٩٥٧) و«أنا حرة» (١٩٥٩). ولكن ربما في عمر ٣٩، ولأنه لم يكن غزير الإنتاج مثلما ما كان العديد من مخرجي جيله، لم تكن لديه الجرأة الكافية لتحدي صناعة تعتمد على رضا الجماهير، كما كان التأثر بنمط المدرسة الهوليوودية، ومازال، هو السائد. قامت السينما الجماهيرية كصناعة سوق على إمكانية المشاغبة شريطة أن ينال كلٌ ما يستحق في نهاية الفيلم. لابد وأن ترضي الفينالة المزاج الجماهيري.

منذ بدايتها، وكأي صناعة جديدة وعلى الأخص صناعة إبداعية، وقعت السينما في ورطة المرأة، بداية بمن اللواتي يصلحن كعاملات في هذه الصناعة وانتهاء بشكل تمثيلها في الوسيط الجديد؛ هل تشبه المرأة السائرة في الشارع؟ الأم؟ الفكرة النمطية؟ إلى أي حد يمكن للمبدع السينمائي أن يتحدى - من ضمن ما يتحداه من أفكار نمطية - الفكرة السائدة عن المرأة؟ كان التحدي يهدد بعدم رضا المستهلك/المجتمع، الذي نظر في البداية بتوجس وازدراء إلى ذلك المجال الإبداعي برمته. كان إرضاء المجتمع يعني تصوير المرأة الفاضلة ولكن، وكما في مجالات أخرى، كان المستهلك بالأساس يسعى إلى المرأة غير الفاضلة، فالفاضلات حوله في كل مكان، طالما أنه بعيد عن بيته وأهله وتهديد رجولته أو أنوثتها. لا يذهب المرء إلى الملاهي ليصعد الدَّرَج، بل ليجلس في مقعد يطير بسرعة حتى يصرخ.

في المقابل كان هناك إرضاء شغف المبدعين السينمائيين الذي كان يعني أمرا آخر تماما. فمن الطبيعي أن يكره المبدع، وعلى الأخص مبدع عابث كأبو سيف، تصوير شخصيات نمطية. وشخصية شفاعات أبعد ما تكون عن النمطية ولكن كان على أبو سيف أن يضعها في موقع نمطي وتسلسل أحداث نمطي ليرضي الجماهير. كان لابد للجمهور أن "يحب أن يكره" شفاعات (كما يقول التعبير الإنجليزي) وما كان أحد ليغفر لأبو سيف ألا يعاقبها في الدنيا والآخرة.

ظهر غلاف طبعة حديثة من رواية «شباب امرأة»

ظهر غلاف طبعة حديثة من رواية «شباب امرأة»

القصة المكرورة

قصة «شباب امرأة» قصة نمطية بسيطة: شاب قروي نمطي في سذاجته، ليس في رسم شخصيته أي إبداع، يقع في حبائل امرأة مدينية قوية، تغدق عليه بالحب والجنس والمال، ثم بتنميط معروف للنساء القويات يتضح أنها امرأة مسيطرة، سيكوپاتية، تريده لنفسها فقط، ربما لمجرد التملك. وهي لا تحمل ذرة من التعاطف بقلبها، فيلتف حوله الطيبون من أهله أصحاب الفطرة السليمة وينقذونه من حبائلها وتموت شريرة الفيلم.

غير أن الأمر ليس بهذه البساطة، إذ يحول أبو سيف القصة النمطية إلى صورة ناطقة.

عابثنا صلاح أبو سيف، بداية من إبراء ذمته كأول ما تراه على الشاشة لجعله ’فيلما هادفا’:

رسالة للمشاهد في مقدمة فيلم شباب إمرأة

في فيلم ليس فيه والد ربما كان هذا اقتراحا عاما من صاحب نية طيبة. أما أبو سيف فلم يكن غريبا عن التعرض لمنع أفلامه لإثارتها غضب شريحة من المتفرجين، وقد مُنع فيلمه القصير الأول كمخرج «العمر واحد» (أو «نمرة ٦»، ١٩٤٢) لأنه أثار غضب الأطباء.

إعادة قراءة الفيلم من خلال ما تقوله الصورة

فلنقرأ القصة التي تبدو نمطية مرة أخرى. إذ يستحق هذا الفيلم الذي يمكن النظر إليه ببساطة نظرة أخرى--قصة شاب قروي يأتي إلى العاصمة للدراسة ويُعجِب صاحبة البيت الذي يستأجر فيه غرفة دون إذنها.

أظهر أبو سيف، وجمع، من خلال شفاعات وحسبو (عبد الوارث عسر)، كل ما يحفظه المجتمع داخله من جزع من قدرة المرأة الجنسية واستثارة شديدة بها في الوقت ذاته؛ يريدها بشدة ويخشاها بشدة، يريد الاستمتاع بها لمائة دقيقة على شاشة كبيرة شريطة أن تعيد الست دقائق الأخيرة من الفيلم طمأنة ما أقلقه أبو سيف.

تبدو شفاعات ثائرة مُغَبَّرة منذ اللحظة الأولى لظهورها على الشاشة، حتى نرى مشهدا مثيرا، لا يستعمل كثيرا في السينما المصرية ولا الهوليوودية خارج نطاق الكوميديا التافهة المغرقة في السخف، حيث تقوم بدور الأنثى عادة واحدة يراد أن نفهم أنها قبيحة أو غير مرغوبة لسبب ما، تتعلق بأي جسد ذكري أمامها. في الفترة الأخيرة بدأ هذا النوع من المشاهد في الظهور أولا للتعبير عن الانجذاب المثلي بين رجل وآخر، ثم بدأت تظهر على استحياء كمشاهد جادة تعبر عن جاذبية جسد الرجل. قبل هذا، أغرقنا أبو سيف في تصوير ساخن لجسد إمام (شكري سرحان) بعيني امرأة؛ ليس شبابه، ليست جاذبيته، وإنما جسده، بشكل محدد جدا؛ لامعا دائما--جسد الرجل بشكله كمثير جنسي. ترى شفاعات - ونرى معها - جسد إمام نصف عارٍ تتفحصه كاميرا فريد ببطء كان ليوصف لو كان الجسد لامرأة بأنه تحديق في ’نجمة إغراء’، ولا تتبع الكاميرا جسده إلا وهو ملتمع--بشكل غير مبرر لشاب قروي فقير. ربما كان «شباب امرأة» من الأفلام النادرة التي صورت جسد الرجل كمصدر إثارة جنسية بنسبة من دقائق الفيلم ترقى إلى تلك الخاصة بنظيره الأنثوي، شفاعات نفسها. تراقب شفاعات أولا - ونراقب معها بأعين المتفرجين - جسد إمام ملتمعا بالعرق بينما يرفع حجرا ثقيلا لإنقاذ أحدهم (على موسيقى فؤاد الظاهري غير المناسبة برغم موهبته العالية)، وتظهر شفاعات في مشهد نادر كإنسانة رحيمة، تهرع على إثر صراخ أحد عمالها وقد استقر حجر الرحى على ساقيه، وتصرخ بينما يحاولون رفع الحجر: "الحقونا الراجل هيموت!"--هي ليست شيطانة إذن. هل كانت تلك هفوة من أبو سيف؟

تشاهد شفاعات إمام مرة أخرى نصف عارٍ وقطرات ماء الوضوء تلمتع على جسده. في المرتين، اقتربت كاميرا أبو سيف ببطء من الجسد نصف العاري لنراه بعيني شفاعات. شفاعات امرأة والمرأة لا تستثار بالنظر إلى جسد الرجل العاري ولا يسعى الرجل إلى إثارة المرأة بتعرية جسده. وفي المشهدين، حيث نرى في واقع الأمر جسد رجل يُقصد بزوايا تصويره إظهار جاذبيته الجنسية بعيني شفاعات/الكاميرا، كان لابد أن يُبرَّأ إمام من عرض جسده بهذا الشكل المثير، ففي المرة الأولى هرع مع صوت الصراخ قبل أن يسعفه الوقت لارتداء جلبابه، وفي الثانية - في معابثة أكثر جدية - كان يتوضأ. إمام شاب مستقيم، حذرته أمه من ’بنات مصر’.

في عيني شفاعات نتتبع نظرة استكشاف تنقلب في المشاهد التالية إلى نظرة اشتهاء. هذا المشهد هو نقطة التوقف اﻷولى في تحليل الفيلم من ناحية النظرة إلى طاقة المرأة الجنسية. فالرجل هو الذي يستثار بالنظر وهو الذي يتفحص جسد المرأة متى أتيحت له الفرصة ويخلق الفرصة لو لم تتح. ومن البداية يعرض أبو سيف صورة مخالفة للمتوقع - لا لما ﻻ يقال ويحفظ في جوارير اﻷسرار - فالحديث عن قدرة المرأة الجنسية يقلق هدوء المجتمعات.

شفاعات امرأة قوية، لديها قدرة المبادرة، مستقلة اقتصاديا، أرملة ورثت عن زوجها سِرْجة (مطحنة تجارية للحبوب) تديرها بنفسها وتتعامل في السوق، يخشاها الجميع ولا تخشى أحدا، تتعارك وتضرب الرجال في السوق. في لعبة أبو سيف من بدايتها، يبرُز الخوف من اﻷنثى صاحبة الشخصية القوية - فاﻷنثى التي تتخذ قرارتها بنفسها قد "تقلق راحة ذرة الكربون" - ويبقي حسبو الصوت الغامض الذي يحذرنا دون أن نعرف السبب حتى الثلث الأخير من الفيلم.

تعتزم شفاعات طرد إمام بعد أن عرفت أن حسبو أجَره غرفة في بيت تملكه، وهو الطالب غير المضمون ماليا، ثم تتراجع بعد إنقاذه العامل. ورغم تغير لهجتها بعد ذلك، تظل تحادثه بشكل بعيد عن الرقة وتسخر من جهله بالقاهرة. ورغم النظرة الغامضة التي تتبادلها مع حسبو، الذي يفهم أنها عزفت عن طرده، فبمجرد أن يزعجها إمام بحفظ دروسه بصوت عالٍ في الفجر تجد أن المعادلة لا تستحق تحمله، وفي معركة شفهية مهينة للشاب القروي تلتقي العينان في لحظة منعه إياها من ضربه بالشبشب بينما تصر على طرده. وعبر رحلة أخرى مع الكاميرا مرورا على جسد إمام، الملتمع دائما، تبدأ المعادلة في الرجحان لكفة تدفئة فراشها.

بعد تلك النقطة في الفيلم يقع أبو سيف في خطأ شائع يجعل الفيلم ثقيلا على القلب أحيانا، خطأ غير ضروري وأنت تعمل مع ممثلة عالية الموهبة كتحية كاريوكا: رسم شخصية أحادية البعد لشفاعات، وكل ما تدور حوله هو طاقتها الجنسية المدمرة، بشكل أهان دون ضرورة موهبة كاريوكا. لكن شكًّا يجعلنا نتساءل إن كان هذا خطأ مقصودا؛ إن كانت المرأة ذات الطاقة الجنسية المستقلة الشريرة هي حقا لا شيء سوى ذلك. فالطريقة التي بنيت بها شخصية حسبو جعلتها الأغنى والأبعد عن الأحادية في الفيلم؛ فهو العاشق الذي يعرف أنه مقيد إلى عشقه لشفاعات برغم الحماقة التي ينطوي عليها ذلك وإثارته الشفقة، وهو العجوز الحكيم كذلك، وفيه امتزج الضعف مع القوة، والرغبة (الأبوية) في إنقاذ الشاب الفقير ومساعدته مع رغبة الانتقام من العشق الذي أذله. وحتى لو نظرنا إلى شخصية إمام، سنجد إرهاصات نادرة من أبو سيف بإضافة أبعاد أخرى إلى القروي الأحمق؛ فيُظهر في عينيه الطمع في ما يمكن أن تمنحه له شفاعات من مال وهيئة. لكن أبو سيف يتراجع سريعا.

تبدأ شفاعات في استدراج إمام المتدين بألعاب أنثوية ساذجة، لتنتهي به في غرفتها بشروطها بدلا من إزعاجه لها بصوته العالي حفظا لدروسه. يأتيها بين مقاومته ورغبته الجنسية - وتحديدا عند استماعه إلى آذان الفجر - وببلاهة واجبة كي نتمكن من التعاطف معه، فهو ساذج وطيب القلب وهي امرأة جامحة. ليس من المعقول أن يلام شاب "صِغار"، كما تصفه أمه، على ذلك. رغم ذلك فهي لا تفتح الباب بعد القبلة الأولى وتعطيه فرصة الهرب. يطرق الباب فترد: "عيب يا سي إمام…" إلا أن إمام يختار التقدم ولا يدينه أحد. بعد القبلة الأولى يعود إمام لأجل قبلة ثانية وليلة ثانية وثالثة وعاشرة، وليس لأجل هذا فقط يعود، وإنما أيضا من أجل بِدَل جديدة ذات صديري لزوم الساعة ذات السلسلة الذهبية. في هذا الجزء من اللعبة يعرف أبو سيف أنه مخرج ومبدع ولكنه ﻻ ينسى أنه صانع سينما تجارية ﻻبد وأن ترضي ما يدعيه المجتمع من قيم لتدر دخلا، فها هو يُظهر إمام وشفاعات وعلى وجهيهما ابتسامات الرضا والراحة وتبدو شفاعات أقل غضبا وعصبية، وﻻ يتورع أبو سيف عن إظهار دﻻل شفاعات وسعادة إمام باكتشاف ذكورته؛ القروي الساذج الذي يعرف امرأة بإرادتها هي، فيدير رؤوسنا مرة أخرى: أهذه راحة عيش حياة جنسية طبيعية أم أنه استدراج ما قبل بيع المرء روحه للشيطان؟

عودة إلى المجازفة: لن يخرج الفيلم إلى النور وشفاعات صاحبة رغبة جنسية قوية ومبادرة وهي الأنثى دون أن تكون معتلة نفسيا، مليئة بالشر والكراهية والحقد حتى (وبالذات) نحو من تنام معه، ولابد أن أنثى كهذه تعتبر هؤلاء الرجال ملكيتها الخاصة. وهذه الرغبة الهادرة التي صورتها موهبة كاريوكا لابد أيضا أن يكون سرها هو الهوس بالجنس nymphomania، إذ لا يجوز افتراض أن تلك رغبة أنثوية طبيعية. كلما أراد أبو سيف أن يزيد من إظهار تلك القدرة الجنسية للأنثى زاد من إظهار أعراضها الجانبية الخطرة، كما وعدت العبارات في أول الفيلم كالتحذير على علب الدواء، وزادت معها مبالغة ساذجة في أداء دور شفاعات. في فترة شهر العسل يكرر أبو سيف بلا ملل مشهد البغل المُغمّى. الرجل الذي يستسلم لقدرة المرأة الجنسية بغل مُغمّى. تكرار اللقطات التي تحمل المعنى نفسه، بشكل مفرط في وضوحه لا يحتاج إلى أي ذكاء أو تأمل، كاد يصبح مبتذلا بعد مرات أكثر من كافية؛ خروف مجرور بحبل، ثم كلمات واضحة تبدو مشفرة من حسبو لشفاعات تسألها أن ترحم البغل وإلا مات. هل قصد أبو سيف أن نتقزز من ’الإفراط’ بإفراط مرهق في المبالغة حتى نخرج سعداء بنهاية الفيلم؟ أم خشي ألا يسامحه الجمهور الذي يقف أمام امرأة جميلة ذات أنوثة طاغية إن هو لم يمحُ أي فرصة للتعاطف معها متجنبا لحظة "هتموتو الصاروخ ليييه"؟

 يلعب الفيلم على الأفكار القديمة: إمام استُهلِكت صحته وأهمل دراسته وسكن فراش شفاعات المقرون بفراش المرض، فالأنثى التي تتحكم بقدرتها الجنسية تمرضك لأنها لا تَشبع. وهي فكرة معاكسة للفكرة النمطية عن الرغبة الجنسية، فالرجل هو الذي يُفترض ألا يشبع وعلى الأنثى أن تحاول اللحاق به وإن كرهت، لأن عدم اللحاق به يهددها باحتياج أنثى إضافية أو إناث. حين تنعكس الآية مرة أخرى، لتصيبنا بالدوار، لا يقدم الفيلم تفسيرا لاستمرار شفاعات في إدراة عملها بنفس الصلابة والقوة والاستمتاع الجنسي وعدم سقوطها طريحة فراش المرض، فتلك المرأة الخطرة تأخذ والرجل يعطي حتى المرض واعتلال الصحة، بينما تقوم معتقدات المجتمعات على أن المرأة تعطي شيئا يأخذه الرجل، وضمن ترتيب العلاقات في المجتمع على الرجل أن يدفع ثمنا ملائما، ماديا أو اجتماعيا، ليستحق ما سيأخذه من المرأة، من جسدها وحق ممارسة الجنس معها. يقدم أبو سيف للمجتمع ما يريده: ممارسة الجنس مع النساء المبادرات الهادرات يصيب بالعلل واﻷمراض وفي الوقت نفسه وجبة شهية مما يرغبه المجتمع سرا--امرأة جذابة غير مصابة بشلل جنسي.

الجنس مقرونا بمرض الذكر وسيطرة المرأة الشريرة في مشهد من فيلم ينتمي لموجة استغلال الجنس sexploitation المصرية، «الرغبة والضياع» (١٩٧٣)

شفاعات القوية لم تكن الأنثى الوحيدة حول إمام، كان لابد أن تظهر الأنثى ’الطبيعية’ المُرضية المطَمْئنة، فبين الأم ستيتة والأم البديلة من أسرة معارف أهله بالقاهرة، كانت هناك الفتاة الخجولة، البريئة، المتعلمة، غير المعقدة، من الأسرة القاهرية الطيبة الأصيلة نفسها والتي تستضيفه حتى يشفى، حين يستغل حسبو الفرصة لشحن إمام إلى ما يظنه بر أمان (أم لعله يُبعد غريما عن امرأته التي ما زال يأمل أن تقبَله من جديد يوما ما؟). تتولى رعايته الفتاة، سلوى (شادية)، والتي لعبت مع إمام في الطفولة، حتى نغرق في البراءة الطفولية اللاجنسية وتكبر بينهما قصة حب محترمة، خالية من أي ما يشابه رغبة جنسية. سلوى، البكر صغيرة الجسد مقارنة بشفاعات، لا تعرف الجنس ولا يجوز أن تعرفه إلا بعد الزواج، مع رجل واحد. هي الشفاء--المرأة المَخصية إن جاز التعبير. ﻻ تنظر سلوى إلى جسد إمام وﻻ ينظر إمام إلى جسدها لأنها قصة حب محترمة تنمو لتصارع قصة الرغبة الجنسية الجامحة بين شفاعات وإمام ولابد بأي طريق أن تنتصر في النهاية. حين يقرر إمام مواجهة شفاعات تظهر الشر اﻷكبر بتهديده بالحبس بعد تلفيق سرقة (بسذاجة مفرطة في الحبكة) حين يدفعها بعنف من بين ذراعيه قائلا "كفاية نجاسة بقى!" وحين تعرض عليه الزواج الحلال لا تستيقظ فيه ’أخلاق القرية’ حيث واجبه أن يتزوج تلك المرأة التي أحبته وآوته ولم يظهر أثناء علاقتهما أنها شاركت فراشها رجلا آخر، وإنما ترِد الجملة المبتذلة في الأفلام المصرية وحكايات أمنا الغولة الجنسية: "أنا اتجوزك إنت؟!" لا يريد إمام الحلال مع أنثاه الأولى التي تمرغ في فراشها عاجزا عن تصديق سعادته معها في الحرام قائلا "يا سلام! أما الحب دا لذيذ بشكل!" ولكنه أيضا لا يعيد أيا مما انتفع به في حرامه وتستمر السذاجة التي علينا أن نصدقها حين يُذكّرها بأن ما أعطته إياه كان "بصفة سلف".

إمام بريء ومصاصة الدماء كشرت عن أنيابها كلها ومصممة على الزواج حين يهبط فجأة على إمام الساذج - إلى حد البلاهة أحيانا منذ تعرفنا إليه - أن يقترح عليها أن يعود للعيش معها كما كانا، بلا زواج، متذاكيا حتى تعفيه من تهمة السرقة. شفاعات ترى في زواجهما ضمانة ليبقى معها، ولا تشترط حق تطليق نفسها، مكتفية بمؤخر صداق تعرف أن إمام لن يملكه قبل سنوات طويلة. صار الحرام حلالا بينما يتكرر مشهد الخروف المجرور بالحبل. سيخسرإمام حبه الحقيقي وتتبرأ منه والدته بعد أن تعلن شفاعات الزواج على الجميع. لا تبدو عليه أي من ملامح القوة التي دفعها بها مكتفيا بالنجاسة، ويظهر بالانكسار الملائم الذي يضمن له التعاطف المطلوب. يصبح هناك حلان دراميان: الأول أن يدفع إمام ثمن اندفاعه مع شفاعات ويفوز الشر الكامن في المرأة المصابة بالهوس الجنسي ويبقى تحت إمرتها حتى تمله كما ملت حسبو، الذي أحبها ونفهم في السياق أنه ما زال يحبها، رغم أنها تسببت في ارتكابه جريمة أفقدته عائلته وجعلت منه عارا عليها وصاحب سوابق ومدمن خمر لا يقبل أحد تشغيله إلا شفاعات، فتظهر مستغلة حتى العشق البائس لرجل عجوز خسر كل شيء--وهو خيار ما كان ليرضي المشاهدين الذين استفزتهم تلك المرأة التي ﻻ يوقفها شيء عن الحصول على ما تريد. والثاني أن تقع حادثة مفرطة كذلك في سذاجة حبكتها في مشهد مغرق في الرسائل الواضحة. وهكذا اختار أبو سيف مشهد نهاية في غاية العنف، حين يقرر إمام اللحاق بأمه وأهله ويساعده حسبو، بينما تسقط شفاعات أثناء العراك على قاعدة درس الحبوب، فيجلد البغل المغمّى الذي يمثل كل الرجال الذين أوقعتهم رغبة شفاعات القوية طوال حياتها، ليستمر البغل كرجل مسه الجنون في جر حجر الطحن الثقيل الذي يمر فوق جسد شفاعات الذي أتعب الجميع، وﻻ يرى الجمهور إﻻ رَبْلتي ساقين جميلتين ترتجفان ثم تتقلصان تحت الحجر الثقيل ودماء نازفة وفورة سعادة هوس جارفة تجتاح حسبو إذ انتقم أخيرا، بمساعدة البغل المُغمّى، صارخا "قتلتها وريحت الناس من شرها!" بينما تخفي سلوى وجهها أمام هذا المشهد الذي لا تستطيع براءتها تحمله.

لم يكن من حل لإرضاء الجمهور أو إكمال الحبكة إلا بالتخلص التام من هذا الجسد الأنثوي طاغي الجمال المحفوف برغبة ﻻ تخشى نفسها؛ ليس الاكتفاء بخلاص التوبة أو اﻹعاقة أو تعويض المتضررين، وإنما القضاء عليه حرفيا. بعد أن يتحمل حسبو أمام الشرطة (التي تصل بسرعة غير مبررة) كل المسؤولية، يخرج إمام المسكين سليما معافى في أحضان عائلته، الخالية من نساء مصابات بالغريزة الجنسية، لا غبار عليه. لو كانت نهاية أخرى اختيرت لتحقق تخوف الحرامي في «مواطن ومخبر وحرامي» (داوود عبد السيد، ٢٠٠١): "لا ولعت في نفسها ولا ماتت ولا حصل لها أي حاجة!"

ما لا يجرؤ الفيلم على الاقتراب منه، أو حتى من احتماليته، هو أن تكون العلاقة بين إمام وشفاعات علاقة جنسية صحية، عادية، يمارسها الإنسان الطبيعي، أو أن رغبة شفاعات واستقلالها وإرادتها وعدوانيتها دفاعا عن تجارتها صفات تظهر بشكل عادي لا يستحق نظرة ثانية عند الذكور فلا تمرض نساؤهم ولا يمرضون، ويعتمد بشكل حاد على أن إمام الذي يستحي من خياله لا يفهم حبائل النساء، لذا فهو بريء يستحق النجاة، ولولا براءته ما وقع في فخ شفاعات. بل لا يقدم الفيلم مبررا مقنعا لإصرار شفاعات على الزواج من إمام، فهي امرأة قادرة على الوصول إلى الكثير من الرجال، وليس الزواج ملائما أصلا لامرأة تصر القصة على أنها ليست ملكا لرجل ولا تسعى إلى أن تكون.

في الأغلب، لو أكملنا القصة في خيالنا، سيكون هناك الكثير من المتعة الجنسية من نصيب سلوى، الأنثى الطاهرة، كنتاج لعلاقة إمام مع شفاعات، لكن أحدا لا يفكر في ذلك. لن يمرض إمام بعد أن يتزوج سلوى مهما أغرقا في الجنس. وربما يُحبَط إمام من أداء سلوى مقارنا إياه بالمتعة الخالصة مع شفاعات ومستدعيا هذه في ساعاته الخاصة. سلوى لن تَغنَج ولن تطلب ولن ترقص لأن إمام أبدى إعجابا بغازية في مولد. خرج إمام بريئا مولودا من جديد محاطا بالحب ودُهِسَت شفاعات بين حجري رحى، باسم الشيطان.

كعادته يهمس الفن بما ﻻ نستطيع الهمس به. صحيح أن صناع الفيلم اضطروا في اﻷغلب إلى سحق الكائن اﻷنثوي غير المرغوب فيه تبرئة لذممهم أمام المستهلك، وامتلأ الفيلم بمشاهد وأشياء غارقة في الاستسهال والابتذال (ربما اعتمادا على مشاهد أخرى قوية تضمن تماسكه)، إلا أن المتفرج يعي تماما أن هذا الكائن موجود وإلا ما خشيه إلى هذه الدرجة، موجود في كل أنثى طبيعية. يهز المجتمع رأسه راضيا عن سيطرته على هذا الكائن الذي يتحول من شفاعات إلى سلوى ولكنه، ذلك المجتمع المتخابث الذي يبادل أبو سيف بغمزة مقابلة، شاهد ملايين السلوات وفي توق شديد إلى شفاعات، ويتنقل بين الصنفين منفقا البلايين. وحتى هذه اللحظة تبقى الازدواجية في السينما، كما في الحياة، سيدة الموقف. ولابد للجمهور حتى اليوم ألا يغادر الفيلم إلا بما جاء به: الرغبة الجنسية للمرأة خطرة، خطرة جدا، لا يحتويها إلا الموت لو تُركِت لتعيش أكثر من اللازم. الاستقرار المجتمعي يقوم على تربية سلوات وليس شفاعات وتشجيع الإناث أثناء تربيتهن في أدوارهن الجندرية على إنكار وجود رغبة جنسية لهن وتخبئتها بحيل أنثوية تطلَق عليها أسماء كثيرة، لكي يصبحن زوجات وأمهات صالحات وعضوات صالحات في المجتمع. لا تختلف صورة المرأة الشفاعاتية في ما هو منتشر من السينما العالمية عما قدمه أبو سيف في «شباب امرأة»، ﻷنها لو لم تكن كذلك بوضوح لما بذلت المدارس والجامعات والعائلات والمربون والمربيات حول العالم في الخمسينيات كل هذا الجهد لترويض تلك الرغبة لتلعب الدور الجندري المطلوب وتعود إلى البيت بعد الخروج أثناء حرب عالمية طاحنة، دور الفريسة المغرية التي تحتوي الصياد في المنظومة المرتبة: الزواج واﻹنجاب وتربية إناث جديدات في دائرة تحفظ للمجتمعات استقرارها؛ كيف يغضضن أبصارهن أمام الأعين الفاحصة بنظرة أنثوية مدرَّبة متشابهة تملأ الشاشات والمجلات، نظرة تَعِد وﻻ تفي بشيء هدفها استدراج الذكر المختار إلى الطريق المحترم المقبول اجتماعيا--والتغير مع تغير هذا المقبول. والسينما جزء من ترويض المجتمع، فهي بالأساس للترفيه وليست للعرض العلني لما يُهمس به سرا.

يبقى أمام المبدع السينمائي الذي يسعى إلى توازن صناعة وفكر أن يصنع فيلما مثل «شباب امرأة» يمكن للمشاهد الساعي إلى الترفيه أن يخرج منه راضيا مستقرا، إذ سقطت كل القطع في مكانها المحدد، بينما تكمن طبقة أخرى تحتية في مباراة بين المشاهد المشاغب ومشاغبة أبو سيف، حيث يتحرك القلق، قلق ذلك المشاهد الآخر المتسائل، بداية من الاسم غير المُدين للفيلم رغم عدم صموده في مهرجان كان ومرورا بجمل مشاغبة متناقضة من حسبو في منتصف الفيلم، "ربنا غفور رحيم لكن المجتمع مش غفور رحيم يا إمام…"، يختتمها صافعا المشاهد الأكثر عمقا بقوله "إخص عليك يا إمام! تعرف...الراجل اللي يسلم جسده لامرأة زي المرأة اللي تسلم جسدها لراجل." تمر الجملة، التي تبدو أيضا عادلة وغير مُدينة للفعلتين. يمكن للمشاهد المستقر أن يدعها تمر رغم أنها آخر ما يؤمن به. فهو يحافظ على استقرار رأسه أمام رقص كاريوكا، وحتى لو لفتت نظره فإنها نصيحة من رجل عجوز إلى شاب ساذج، سيدرك الحقيقة قريبا. يوقعنا أبو سيف (الذي شارك كعادته في السيناريو) في مأزق آخر بخلاف إظهاره النادر للمحات من القدرة الجنسية للمرأة. وبعد مرور ما يقرب من ٦٠ عاما على مشاغبة أبو سيف قَبِلنا إمكانية أن يكون جسد الرجل مثيرا بالنظر...لرجل آخر.

وقدرة امرأة أخرى

كثر من غيرها من الممثلات، انسحبت الشخصية الجنسية لناهد شريف (١٩٤٢-١٩٨١) من الشاشة عليها في الحياة الحقيقية، ودائما ما ترددت ضمن أسطورتها الشعبية قصة تربط إصابتها وموتها بالسرطان بنشاطها الجنسي الزائد.

أكثر من غيرها من الممثلات، انسحبت الشخصية الجنسية لناهد شريف (١٩٤٢-١٩٨١) من الشاشة عليها في الحياة الحقيقية، ودائما ما ترددت ضمن أسطورتها الشعبية قصة تربط إصابتها وموتها بالسرطان بنشاطها الجنسي الزائد.

بعد ١١ عاما من إنتاج «شباب امرأة»، استخدم صلاح أبو سيف نغمة مشابهة، وإن بدت مغايرة، في فيلم فشل في دور العرض، ونجح بعد أعوام مع ظهور التليڤزيون. ففي ١٩٦٦ قدم أحد أفلامه غير الكسولة، «الزوجة الثانية»، عن قصة قصيرة. ورغم أنه كان هنا أكثر خبرة وقدرة على جذب ممثلين ذوي موهبة معتبرة، فشل الفيلم تجاريا بعكس «شباب امرأة»، ربما لأن «شباب امرأة» قدم وجبة شهية بينما قدم «الزوجة الثانية» قصة أكثر تعقيدا، لكنه بقي عالقا في ذاكرة المشاهدين. ومهما يكن، فهو حافل بأخطاء وهفوات كثيرة تستحق نقدا منفردا بعيدا عن مقارنة الصورة المختلفة للأنثى وقدرتها في علاقتها بالرجل خلف الأبواب، في لعبة الجنس الدائرة بين فردين والمجتمع الواقف بينهما.

«الزوجة الثانية» أيضا يعرض القدرة الجنسية لأنثى، إلا أنه هذه المرة يدخل مجالا أكثر تعقيدا: سيطرة المرأة المحترمة على طاقتها الجنسية ومعرفتها بقوتها واستغلال أنها موضوع للرغبة بالدهاء المناسب كقوة للخير، هي قوة كاسحة كذلك، يكرر الفيلم في عدة مشاهد أن أحدا لا يستطيع التغلب عليها. يؤكد الفيلم على فكرة تبدو غريبة، وهي أن تلك الطاقة، وذلك الدلال نفسه والمنع والمنح للسيطرة على رجل ما لها وجه آخر غير ما ظهر في «شباب امرأة»، إذ لو وُضع الفيلمان في مواجهة بعضهما لأصبحت تلك الطاقة محايدة، تُستعمل في الشر والخير، واستعمالها في الخير يتيح لها أن تحفظ العدل وتقهر الظلم وتغلب قوى الشر. ففاطمة بنت زهران (سعاد حسني) لم تنقذ نفسها وبيتها فحسب، بل أعادت العدل بالدهاء الأنثوي المحمود إلى قرية مقهورة. يبقى الفيلم دليلا على السينما المأزومة في تقديم المرأة، فقدرتها الجنسية هي أي شيء سوى نشاط طبيعي، بسيط وصحي.

كان شكري سرحان هو ما تبقى من فيلم «شباب امرأة»؛ قروي فقير متزوج من قروية فقيرة يتيمة، يعيشان سعيدين في عوزهما في نمط متكرر في قصص السينما المصرية، يجمع بينهما العشق وتوأماهما والجدة العجوز، الخادمة التي فقدت بصرها؛ عائلة حافية سعيدة، تقتحمها رغبة عُمدة في الاستحواذ على كل شيء بما في ذلك نساء قريته. عتمان (صلاح منصور) لديه كل ما يستطيع الإنسان أن يحصل عليه: زوجة ثرية نفهم من السياق أنه أحبها يوما ما، مئات الفدادين، خزائن مملوءة، سلطة، حاشية، وفساد يؤمن له الحصول على المزيد دائما. كان ما ينقص عتمان وحفيظة (سناء جميل) شيء ليسا بحاجة إليه ولكنهما يريدانه لضمان المستقبل الغامض في صورة وريث ذكر، عجزا عن إنجابه طوال عشرين عاما من الزواج. عتمان كان يغترف أيضا من طمع إضافي باختلاس النظرات واللمسات من فتيات القرية اللاتي يظهرن في شكل إماء يمكن استدعاء أيهن للخدمة في دوار العمدة كيفما اتفق. حفيظة، التي حافظت على استقلالها الاقتصادي ضامنة مكانها في حياة عتمان، لجشع كليهما - حيث يظهر الاستقلال الاقتصادي مرة أخرى كمصدر قوة واستقلالية نسبية للأنثى كما ظهر في «شباب امرأة» - يهددها عجزها عن إنجاب الوريث بشراكة أنثى أخرى، فتظهر في أولى مشاهدها شاكية للداية أن عتمان يكرر عليها رغبته في الزواج. تحاول الحاشية استغلال نقطة ضعف الزوجين بإمدادهما بأدوية مزعومة ونصائح وتجارب، تصل إلى حد الجنون حين تلقى حفيظة بنفسها تحت ضغط التهديد بالزوجة الثانية أسفل قطار ليلة زفاف زوجها.

بنيت شخصيات «الزوجة الثانية» بشكل أعقد من سطحية شخصيات «شباب امرأة»، فالمخرج أنضج وطاقم ممثليه يضم المقتدرين سناء جميل وصلاح منصور، ونَضج الفيلم أيضا ليرسم حتى شخصيات الداية والتاجر وشيخ الخفر بشكل مُرضٍ وعميق، وبدت تصرفات الشخصيات بتعقيد مناسب، كبشر في وضع ظالم في نهاية الأمر، يتصرفون بخيارات تبدو متناقضة للوهلة الأولى وعلى الأخص النساء منهم (وشخصية الداية وحدها تحتاج إلى نقد خاص)، ولكن وضعها في سياق محاولتهم الحفاظ على مكان لهم في أرض ظالمة جعلهم يظهرون في صورة بشرية. علاوة على ذلك، ففي الاختيار بين عدة طرق متاحة لتقديم القصة نُسجت مأساة الفقر والظلم والمؤامرات والكيد في صورة كوميدية في غالبها، أبعدت الفيلم عن قسوة «شباب امرأة»، رغم أن أبو سيف كما في معظم أفلامه يشرح في بداية الفيلم ونهايته الدرس الأخلاقي المستفاد، بكلمات راوي صندوق الدنيا حيث تدور الأحداث.

يبدأ التقابُل بين أنثى «شباب امرأة» وأنثى «الزوجة الثانية» بعد أن يمررنا أبو سيف على المحاولات الفاشلة لإنجاب الوريث واللجوء للحل الأخير وهو زواج العمدة من أخرى تنجب وإقناعه زوجته بالموافقة مقابل أن يكون الطفل ابنها هي أمام القانون - ويصفان الأنثى المطلوبة ببهيمة تعشَّر وتلد فقط - فهو لا يستطيع التصرف بغير إذنها لئلا تتصرف هي في ما تملكه من فدادين. ما لا يصرح به عتمان أنه يريد الزواج من فاطمة تحديدا، الشابة التي يرغبها بأي شكل، المتزوجة، ولا يجد غضاضة في أن يصارح حفيظة، بينما يتفحصان النساء من وراء باب مغلق وهن يرقصن في سبوع الابن الرابع لشقيق العمدة المشكوك في ولائه، شارحا أن طلاقها من زوجها أمر بسيط وأنها أفضل اختيار لفقرها وقلة حيلتها والأهم خصوبتها إذ أنجبت توأما.

أمام الترغيب والترهيب، يبدو أبو العلا (شكري سرحان) من البداية فاقدا للنطق، مهتزا، وتصدر عنه أول ردة فعل متعارف عليها اجتماعيا وهي النظر بعين الريبة لفاطمة، لا سيما وأن العمدة أهداها منديل أوية. وعلى العكس منه تماما، وكما تماسكت في واقعة الإوزة - فمن البداية هي قوية وحكيمة وداهية على بساطتها - تبدأ فاطمة فورا في محاولة السيطرة على الموقف. وعلى رغم من تقدم أبو العلا المسيرة الهاربة، تبدأ صورة واضحة في الظهور: فاطمة هي من يقود الطريق والاختيار. وحين ينتهي الأمر بهم إلى الحبس والتهديد، لا تزال فاطمة رابطة الجأش، بينما تسمع الأراجوز.

كلمات مسرح الأراجوز المتنقل مهمة، لأن فتاة قروية بسيطة يمكنها أن تفهمها، في مقابل مشهد لاحق يصعب تمريره وغفرانه. فبعد أن تقرر فاطمة أنها ستتزوج من العمدة شكليا ولكن أبو العلا سيبقى زوجها الفعلي، أمام حيرة أبو العلا، يقدَّم للمشاهد الرأي الشرعي حين تقابل فاطمة رجل دين داخل مقام أحد الأولياء في البندر، ليفتيها برأي فقهي بالفصحى: "اطمئنني يا بنتي، طلاق المكرَه لا يقع عند جمهور الأئمة، وقد بينت السنة أن الله تجاوز عن تصرفات المكره فلا يؤاخذ بما أكرِه عليه. فالطلاق بالإكراه غير جائز، كما أن زواجه منك غير جائز. لا تجبَر البالغ على الزواج ولا تزوجَّ إلا برضاها."

عبارات يَصعب على كثير من المشاهدين فهم فحواها، فما بالنا بقروية أمية؟ أُقحِمت لنفهم أن الفتاة القروية التي لا تنطق اسمها بشكل سليم، فهي فاطنة، فهمت أنها زوجة أبو العلا شرعا، على الأخص دون عِدّة، وهذا ما تكرره على أبو العلا حين تجده مختبئا متسلحا بمنجل ليقتل العريس، والقتل ليس من أفعال الطيبين في الأفلام.

مهمة فاطمة الأساسية، لعبتها، هي ألا يضاجعها العمدة، وتساعدها الظروف كونها الخادمة ضرة سيدة الدار الثرية. في ليلتها الأولى تصر حفيظة أن يضاجعها العمدة هي. تتحول الليلة فعليا إلى ليلة عشق لفاطمة وأبو العلا في انتصار رمزي أول، مقابل الحرمان السابق من ليلة عشق بعد أكل لحم الإوزة المسروق. ولا تنسى فاطمة في الصباح أن تشيع حول الدوار سعادتها كأنه صباح ليلة دخلتها مع العمدة بالفعل.

في الليلة الثانية تكسب فاطمة حوالي أسبوع بالحيلة الأكثر شيوعا--الحيض. وتكسب وقتا أطول بكثير بالحيل والدلال، حتى ينتشر خبر حملها، الخبر الذي يودي بالعمدة، الذي لم يدخل عليها أبدا، إلى جلطة، وتضمن الحبكة أن يعجز عن إعلان الحقيقة وإن أراد.

لم يبق للأنثى لتنتصر إلا أن تلد ذكرا، وكعادة أبو سيف تسقط كل القطع في مكانها الأخلاقي السليم في الدقائق الأخيرة من الفيلم. وتنجح قوة الأنثى الجنسية كمرغوبة وليس كراغبة هذه المرة مع تسلحها بكل الحيل الأنثوية الاجتماعية لإقرار العدالة ورفع الظلم. العمدة هنا هو من يسكن فراش المرض، فتعود البهائم المسلوبة لأصحابها، وتقام الولائم في العيد للفلاحين الفقراء، وتعاد أراضٍ مستولى عليها إلى أصحابها. وفي نهاية هوليوودية أخرى يتخلص أبو سيف من مصدر الشر في فيلمه بالموت. ولكن هذا لا يعني أن فاطمة ستأخذ ما ليس من حقها، فتصارح شقيق العمدة بسرها، ويظهر أبو العلا، زوجها الفعلي، ليشهد لحظة موت العمدة مع أول صوت بكاء لوليد فاطمة، التي تجمع شمل أسرتها، وقد خرجت بها من الفقر إلى الثراء.

يبقى استنتاج أشمل عن فكرة أبو سيف عن المرأة وخشيته إغضاب الجمهور (وهو ما لم يمنع الفيلم من الفشل): أن الأنثى، مهما تكن بسيطة العقل، صغيرة السن، لم تتعرض لخبرات في الحياة، تتمتع بصفة نوعية كأنما تولد بها هي التلاعب بقدرتها الجنسية ووضعها الجنسي، بشكل متكرر في أفلامه. إنه العجز أو ربما الخوف من النظر إلى تلك القدرة كسمة إنسانية بسيطة وطبيعية وصحية، ورؤيتها دائما معقدة، خطرة، قابلة للانفجار.

آخر تحديث: ٠٢ فبراير ٢٠٢٢