"صوفيا" .. عالم التواطؤ الكامل

هل المرأة دوماً هي الضحية؟! هذا هو السؤال الرئيسي للفيلم المغربي "صوفيا" للكاتبة والمؤلفة مريم بن مبارك.

وفي عالم تسوده موجة "أنا أيضا Me too"، يصبح سؤال "هل المرأة فقط هي الضحية الوحيدة للمنظومة التي يقودها الرجل؟" شائكاً، والإجابة التي تخلص لها مريم بن مبارك باستخدام أكثر الطرق صعوبة، هي "نعم"، وليست المرأة فحسب، بل الرجل الفقير كذلك، كلاهما ضحية لآخر ثري.
هذا الطريق الصعب الذي اختارته بن مبارك ربما يدفع البعض إلى الاعتقاد أن الفيلم يهاجم المرأة كما يبدو في قراءته الأولى.
تبدأ بن مبارك فيلمها بلقطة للفتاة صوفيا ذات الستة عشر عاماً وهي تراقب الأفق الذي يبدو متسعاً أمامها، لكن البنايات المرتفعة المتعددة تخنقه.
لتقرر أن هذا الفيلم هو عن هذه الفتاة وعالمها الذي يبدو واسعاً، لكن أثرياء حجبوا سماءه عنها، لتنتقل في اللقطة التالية مباشرة لمشهد العائلة المغربية ومعها زوج الخالة الفرنسي وهو يسيطرعلى تكوين اللقطة بثرائه وقوته ونفوذه المستمد بالأساس من دولته التي لازالت تتعامل مع المغرب كتابع اقتصادي وثقافي.
تؤسس بن مبارك في الربع الأول لأزمة فيلمها بأكثر الطرق اختصاراً، الفتاة على وشك أن تضع مولوداً مجهول الأب، يتهددها السجن طبقاً للقانون المغربي الذي يقضي بحبس كل من أقام علاقة جنسية رضائية دون زواج، فتبدأ رحلة صوفيا ومعها ابنة خالتها الطبيبة الشابة للبحث عن هذا الأب النذل.
وفي رحلتهما إلى حي درب سلطان، حيث يعيش "الأب" مع عائلته الفقيرة، نرى حجم التناقض بين أحياء البلد الواحد، بين الحياة المترفة التي تعيشها الخالة مع زوجها الفرنسي في الدار البيضاء وبين عائلة الشاب ذات المنزل المتواضع المزدحم.
وتبدأ أولى عقبات الاعتراف بالأبوة، من جهة شقيقة الشاب التي تبدي تشككاً في نسب الصغيرة، ففي عالم كهذا لا تدعم النساء بعضهن، بل يجدن في مثل هذه الأمور فرصة لفرض سيطرتهن المفقودة تحت سطوة الرجال.
وأم الشاب التي طحنتها الظروف الصعبة بعد وفاة زوجها، تجد في أسرة الفتاة الثرية فرصة للترقي الاجتماعي الذي تحلم به لابنها، حتى ضابط الشرطة يجد في أزمة الفتاة فرصة لتلقي رشوة تجعله يغض الطرف عن تنفيذ القانون.
هذا التواطؤ الكامل هو سمة هذا العالم الذي يحكمه "الأثرياء"، فالخالة تتجاهل أن زوجها الفرنسي هو الأب الحقيقي لمولودة صوفيا، في مقابل احتفاظها بحياتها المرفهة، والبيت المطل على البحر، وأم صوفيا على استعداد أن تتجاهل اعتداء زوج الخالة على ابنتها طالما ظل المشروع الذي يجمعه وزوجها قائماً.
في هذا تستخدم بن مبارك تعبيرات بصرية تعكس صعوبة تلاقي عيون أبطالها، وشريطاً صوتياً يخلو من الموسيقى أو المؤثرات، إلا من أغنيتن إحداهما لأسمهان وهي تغني مقطع "وأنا كاتمة غرامي..وغرامي هالكني" بينما صوفيا تعاني صراعاً كانت نتيجته أن تخفي ابنتها المولودة وتمضي في خطتها ما أردات الاحتفاظ بمعونات الخالة المادية، أما الأخرى فأغنية عن الحياة والحب ومعها تتابعات بصرية لشوارع المغرب الفقيرة، بزحامها وقسوتها، ثم شواطئها وجبالها التي تبدو أقرب إلى البطاقات السياحية الدعائية.
هذه المنظومة لن تنتج إلا جيلاً جديداً من المقهورين يعاني ما عاناه الأولون، من التفاوت الطبقي الرهيب، وانعدام العدالة الاجتماعية، وغياب أي قيمة حقيقية لمؤسسة الزواج التي يدينها الفيلم دون مواربة.

آخر تحديث: ٠١ فبراير ٢٠٢٢