عن السينما والمؤسسات وأزمة الترجمة

بقلم عالية أيمن

فبراير ٢٠١٤: افتتاح زاوية. باقٍ من الزمن ثلاثة أسابيع.

تصميم الملصقات والمواد الدعائية في المراحل الأخيرة، لم يتبق إلا النص. كتابة الأصل، الإنجليزي، كالعادة، سهل.

والعربي؟

عصرنا أدمغتنا بحثا عما يساوي "arthouse cinema".

مناقشات ومكالمات لأصدقاء ومترجمين: يعني إيه آرت هاوس سينما بالعربي يا جماعة؟

سينما بديلة؟

لأ.

سينما مستقلة؟

لأ.

بيت الفن؟

أكيد لأ.

طيب…

***

في المجال الفني نحن ندير مؤسسات، وننظم فعاليات، ونتعامل مع البيروقراطيات، ونترجم بصورة شبه يومية، ونعمل في المناسبات على التعريب وعلوم اللغة.

بمناسبة الافتتاح، استحضرت لورنس ڤينوتي وڤالتر بنيامين أملا في أن يأتيني أحدهما بحل. لم تسعفني نظريات الترجمة بالكلمة السحرية. تحولت "آرت هاوس سينما" من عالم المصطلحات الى عالم الجمل إلى عالم، فأصبح المصطلح المتعارف عليه في أوروپا بشكل أساسي، وفي أمريكا بدرجة أقل، إلى جملة بالعامية المصرية مكونة من عدة كلمات، تشرح المعنى وتوضحه: "زاوية: سينما للأفلام اللي مبتنزلش في السينما." الأفلام التسجيلية والتجريبية وكلاسيكيات السينما وأحيانا بعض الڤيديو آرت والأفلام التي يعرف (أو يظن) أغلب الموزعين أنها لن تلاقي نجاحا جماهيريا واسعا، فتطلق عليها "أفلام المهرجانات" للدلالة على عالميتها ونخبويتها في آن واحد. كل ما تدل عليه هذه المسميات نجد لها مكانا في زاوية. نظريا.

زاوية فعلا سينما للأفلام اللي مبتنزلش في السينما. هي أول سينما من هذا النوع في مصر وواحدة من بضع قاعات على الأكثر في العالم العربي كله. فلماذا نتوقع من اللغة العربية أن يكون لديها مصطلح جاهز لظاهرة تكاد تكون غير مرئية من فرط ندرتها؟

في بعض الأحيان، توجد الأشياء أولا، ثم تأتي الكلمات. في بعض الأحيان، توجد الأشياء أولا، ثم الكلمات ثانيا، ثم تأتي الترجمة.

تحول مصطلح "arthouse" إلى شرح. ربما من باب الكسل، لكن هذا في تلك اللحظة كان من منطلق رفض استخدام المصطلحات المتاحة، من قبيل السينما البديلة أو المستقلة، فزاوية ليست أيا منهما. ولما عجزت المصطلحات العربية، أسعفتني العامية المصرية بجملة. المعنى فوق الشكل. الحل العملي  فوق الاختزال اللغوي الأنيق. هكذا كان التفكير.

سينما للأفلام اللي مبتنزلش في السينما. هل هذا حل؟ رأيته حلا وقتيا، وجده البعض طريفا، ورآه البعض الآخر متذاكيا، وامتعض البعض وظنوا هذا التعريف حيلة دعائية فاشلة للمكان والأفلام، ولم يكن إلا خيارا وحيدا لم يمن علي عقلي بغيره، ولم يطرح أحد بديلا آخر، فالاختيارات كانت ولا تزال محدودة.

***

بعد بضعة أشهر من الافتتاح، جاء وقت ترجمة مهن فريق العمل لتطبع على بطاقات موظفي الشركة. لكل منصبه بالعربية، إلا أنا.  فماذا نحن فاعلون مع "curator"؟ قيّم؟

هل سأترجم لقبي المهني من الكلمة المفهومة إلى حد ما بالإنجليزية إلى كلمة يستخدمها المتخصصون فقط بالعربية؟  هل هذه ترجمة أم هي تجلٍّ آخر لظاهرة القاموس المحدود؟ إذا استخدمت هذه الكلمة مع أغلب معارفي لن تعني أي شيء، لم أكن متأكدة أيضا إذا كانت "قيّم" تستخدم مع الأفلام أم لا. تخيلت نفسي أعرف نفسي لأصدقاء والدتي في إطار عائلي حميم، وعند سؤالي ماذا أعمل أقول "انا قيّمة يا طنط" (بدون تاء التأنيث حتى).

مش عاجباني قيّم.

إحساس غريب عندما تحتاج مهنتي إلى ترجمة للغتي الأولى ولا تجدها.

وقع الاختيار على "مبرمجة أفلام"، ثم صرفنا النظر عن الترجمة العربية واكتفينا بالإنجليزية على البطاقات.

لقد أصبحنا خبراء متمرسين في أنصاف الحلول.

***

بالرغم من إتمام مهمة طباعة الملصقات والمواد الدعائية والبطاقات بنجاح، وبعد مرور ٣ أعوام على تأسيس زاوية، إلا انني ما زلت أتساءل: ماذا يعني أن يكون اسم مهنتي وأن يكون نوع مكان عملي 'الأصلي' مصطلحات إنجليزية تترجم إلى العربية بعد معاناة لنصل إلى حلول لا ترضينا--أو على الأقل لا ترضيني أنا شخصيا؟ هل ألقي باللوم على اللغة لعدم قدرتها على استيعاب عالمي المهني؟ أم أتعامل مع عملي وما أمثله في محيطي كمنتج مستورد وبالتالي فهو دخيل؟

هل هناك مفر من متلازمة النقص هذه ومن الثنائيات الضدية بين ما هو لنا وما هو لهم؟ وكأن هذه الـ"نحن" العائدة على العرب وهذه الـ"هم" العائدة على الغرب كلمتان ترمز كل منهما إلى شيء واحد محدد موجود بالفعل. إشكاليات قتلت بحثا وما أنتجت حلولا، فالحلول والإجابات والردود المباشرة ليست من مهام المنظرين ولا الأكاديميين ولا الفنانين. الحلول تنتج عفويا، في شكل ممارسة، بلا تنظير. هي ليست حلولا، بل حيل للتعايش والعيش. هي سبل استمرار ومحاور قفز من أعلى سدود طفيلية تظهر فجأة في أغرب المنحنيات. ولكن يبقى السؤال، وتبقى الممارسة عاجزة أمامه.

كيف للتفرد الثقافي أن يؤمَّن بعيد عن الخوض في نقاشات حول الهيمنة والتبعية؟

كيف نطور وننقد فنا لا توجد لدينا المفردات للحديث عنه؟

أهو ضيق في اللغة أم ضيق في الفكر أم كلاهما؟ أهو تقصير أم عجز أم سؤال أكبر لن نستطيع الاجابة عنه مهما حاولنا؟

لا أعرف.

كل ما أعرفه أن هذا الشيء الذي لا أعرفه يدفع رغبات دفينة إلى طح الوعي، ويجعل الكثيرين منا يفكرون كفرانتس فانون حتى وإن لم نقرأه يوما.

هل كنا سنحتاج إلى كل هذه الحيل لو كان اللسان الأعوج هو اللغة الأم؟ أو لو كنا نعمل في مجال تأتينا العربية بمفرداته جاهزة؟

لا.

هذه إجابة أعرفها.

***

"تكفنني تلك الأحرف الملتوية ببداوتها، وتميتني وأدا في صحاري جاهلية وأراضٍ طائفية لا أعرفها."

هكذا كتبت منذ ٥ سنوات أو أكثر. كانت هذه الكلمات مطلع نص غاضب من مدينة رأيتها آنذاك قاهرة، ومن لغة رأيتها آنذاك عاجزة، متحجرة، ومنحازة لكل ما هو ليس أنا.

غضبت من الأحرف لظني أنها سبب اغتراب لم أختره، فوجودي في لغة الآخر لم يكن أبدا وجودا كاملا، ولن يكون. لم يسعني هذا اللسان الأعوج ولم أسعه، لم أرحب به حين رأيت مفرداته تستوطنني ولم يرحب هو بي حين سمع صوتي يحاكيه، فالأبيض والبني رغم امتزاجهما هما لونان. الأبيضأبيض، والبني بني. أما البني المتظاهر بالبياض فاكتشفت أخيرا أنه يطلق عليه وصف الكوكونت coconut (جوزة هند).

أنا كوكونت، وأنت أيضا.

***

نتخاطب أنا والأيديولوجيا أحيانا، لكن التوتر استحوذ على علاقتنا منذ اكتشافي أن للحداثة ما بعدها. الأبيض مزيج، والبني مزيج، والخطوط والفوارق ما هي إلا تحديدات واهية، تفرق ما هو في الأصل واحد، وتجمع بين النقائض بسلاسة تكاد تكون مزعجة أحيانا.

قد أستخدم إنذارات موت السرديات العظمى للتقليل من حدة توجسي من اللسان الأعوج. شئت أم أبيت، سيظل أعوج، وسيظل ملكا لآخر، لا يفصل بيننا فرق ثقافي أو جغرافي أو عرقي، بل تفصل بيننا مشاريع هيمنة واستيطان، طالت الأرض وما عليها وما في باطنها والسائرين عليها والسائرات. موت السرديات العظمى لا يعني موت القوة وموازينها. فاللسان أعوج ليس لأنه غريب، بل لأنه يعد بما لا يفي به، ويبطن ما لا يظهر، وينحرف عن المسار الذي أراه سائرا فيه.

التقليد إنذار بتفاوت موازين القوى. تكتب شادن تاج الدين عن غواية الترجمة، التي يكمن سحرها في وعودها بالمساواة بين الأصل والصورة، بين اللغة الأصلية واللغة المترجم إليها، بين الأنا المستضعف والآخر الأقوى. تحكي عن رفاعة الطهطاوي كمثال لأحد عظماء الشرق الذين افتتنوا بسحر الترجمة وقدرتها الكاذبة على محو الفوارق. تستشهد بناپليون الذي قال للمسلمين في مصر إنه مثلهم، وإنه آت لينصرهم على حكم المماليك الطغاة حين وصل إلى ميناء الإسكندرية١. ترجم نفسه ليشبه الآخر قبل محاولة استعمارية.

تتراجع المقاومة في وجه المألوف، وما من قوة تؤلف بين الأشياء وأضدادها كما الترجمة.

كتبت تاج الدين وقرأت أنا فاقتنعت: الترجمة كاذبة، لادعائها مساواة لم ولن تتحقق.

***

أين ذهب كل هذا الكلام النظري المشحون حين دقت ساعة العمل؟

اختفى.

أو تظاهر بالاختفاء.

أيقن أن مكانه لا يمكن أن يكون في رأسي في تلك اللحظة التي استلزمت القرار الحاسم تحت ضغط موظفي المطابع ومصممي الغرافيك.

سينما للأفلام اللي مبتنزلش في السينما.

ترجمت وبحثت عن الأصل في النقل ووقعت أنا أيضا تحت تأثير السحر. ترجمت وأترجم وسأترجم. أترجم في عاميتي، في كلامي وفي كتابتي، أترجم في أفكاري، وأمزج اللغتين لا إراديا، مثل الكثيرين من نُخب العالم الثالث، أو الدول النامية، أو الجنوب، أو أيا كان المصطلح المفضل للقارئ، فكل ما ينم عن تبعية بنيوية يجوز.

ما لا يجوز هو الاحتياج الدائم لتوسيع حدود اللغة، والتحديات المزمنة وسخريتها من ادعاءات التخصص.

"أنا مالي انا بالترجمة ونظريتها؟"

أنا فنان. أنا أيضا مترجم.

أنا فنانة إذن أنا أترجم.

أنا فنانة. أنا لا أتحدث الإنجليزية.

هل أنا فنان؟

"الفنان الذي لا يستطيع أن يتحدث الإنجليزية ليس فنانا."

مْلادن ستيلينوڤيتش Mladen Stilinović, An Artist Who Cannot Speak English Is No Artist, 1992.

***

أنا أبالغ.

أدعي امتلاك سلطة ليست لي.

كل شيء يجوز. كل شيء جائز.

فانتازيا الوصول إلى لانهاية اللغة، إلى النقطة التي لا تليها ترجمة، ولا توجد عندها مفردات.

إنه البرج مرة أخرى. أريده كما كان، ما قبل البلبلة والألسن المتناثرة. أريده كما كان. واحدا، عاليا. أريد بابل، أريدها لي، الآن، وأبدا. أريدها لي، ما قبل اللغات الـ٧٢، وأريدها عربية.

 

[عالية أيمن مخرجة وكاتبة مصرية وإحدى القائمين على مشروع زاوية السينمائي.]

  • ١. Shaden Tag El Din, Disarming Words: Empire and the Seductions of Translation in Egypt (California: University of California Press), 2011.

آخر تحديث: ٢٨ مارس ٢٠١٧