«عن يهود مصر» ولكن ليس عنهم جميعا

في مناقشة أعقبت عرض الجزء الأول من الفيلم تساءل أحد الحضور ما إذا كان هناك يهود يعيشون في مصر حتى الآن. قدم المخرج الميكروفون لماجدة هارون، رئيسة الطائفة اليهودية، ونظرت هي بدورها إلى الشاب وضحكت: "أيْوَه ما زلنا موجودين!"

في مناقشة أعقبت عرض الجزء الأول من فيلم «عن يهود مصر» (أمير رمسيس، ٢٠١٢)، تساءل أحد الحضور ما إذا كان هناك يهود يعيشون في مصر حتى الآن. قدم المخرج الميكروفون لماجدة هارون، رئيسة الطائفة اليهودية، ونظرت هي بدورها إلى الشاب وضحكت: "أيْوَه ما زلنا موجودين!"

وكما كان الجزء الأول قد أتاح لعدد من المصريين رؤية يهود مصريين من أجيال أقدم يتحدثون باللهجة القاهرية والسكندرية على الشاشة، أتاح الجزء الثاني («عن يهود مصر: نهاية رحلة»، ٢٠١٤) رؤية يهوديات مصريات معاصرات وأتاحت المناقشة التي تلت عرضه لبعض هؤلاء الكلام مع رجل وامرأة يهوديين في مناقشة حرة. إذن فالجمهور الذي ظل محبوسا في صورتين ذهنيتين عن اليهود، في الأولى هم الصهاينة أو أحفاد القردة والخنازير، وفي الثانية وجودهم رمز للتسامح المصري مع الأقليات قبل ١٩٥٢، ودلالة على كوزموپوليتانية افتقدتها مصر، بدأ الآن يفكر في احتمالات أخرى. كان هذا حدثا لا يمكن الاستهانة به في ظل التحولات الفكرية التي خضعت لها النخبة المصرية الواسعة على مدى السنوات الأخيرة.

يبدو لي أن الجزء الثاني أكثر قدرة على إثارة هذا القدح للأذهان، نظرا للحوارات التي يقدمها مع أربع سيدات يهوديات؛ حوارات تتناول ظروفهن الإنسانية، متاعبهن، قفشات ذكية يلقينها بين الحين والآخر، كما يركز على شخصية المحامي شحاتة هارون وعلاقة ابنتيه به ورسائله إليهما.

ولكن قبل هذا، في الجزء الأول، يتاح لنا أن نتعرف أكثر على رؤية الفيلم. ينطلق الفيلم من رؤية مفادها "كم كنا متسامحين! كم أصبحنا منغلقين!" وهو ما يكرره المخرج نفسه في اللقاءات والمقابلات.

ولكن إذا كان ذلك كذلك، فلماذا سمي الفيلم «عن يهود مصر»؟ ولماذا اختار المخرج موضوع اليهود المصريين؟ وهل كان كل اليهود المصريين مندمجين؟ وهل كان كل المصريين متسامحين قبل ١٩٥٢؟

هذا التناقض بين عنوان الفيلم والهدف منه يؤدي إلى مشاكل أخرى، تخص جميعها موضوع اليهود المصريين.

في الجزء الأول، يتحدث أغلب اليهود الذين التقاهم رمسيس الفرنسية. وأغلب اليهود في الفيلم شيوعيون ومعارضون لدولة إسرائيل، بالإضافة إلى آخرين لا تحدَّد علاقتهم بدولة إسرائيل. أين اليهود المصريون الصهاينة في الفيلم؟ لماذا لا يشار إليهم؟

والإجابة وفقا للمخرج نفسه، في حديثه إلى برنامج "عز الشباب": "إحنا طول الوقت بنخلط بين كلمة يهودي وبين كلمة صهيوني أو إسرائيلي، ودا الخلط اللي كنت عايز أزيله". الهدف من الفيلم إذن هو فك الارتباط بين "يهودي" و"صهيوني"، وليس الكشف عن قصة اليهود المصريين بجميع أطيافهم، بما فيهم اليهودي الصهيوني.

ولكن حتى في حدود هذا، فإن أغلب الحوارات في الجزء الأول تجرى مع يهود غادروا إلى فرنسا. لماذا فرنسا بالتحديد والعالم مليء باليهود من أصول مصرية؟

يسهل تخمين أن الخيار الفرنسي كان الأسهل والأكثر عملية لمخرج الفيلم، الذي تتلمذ على يد يوسف شاهين بثقافته الفرانكفونية. على العموم، أدى هذا إلى عيب خطير. فالجالية اليهودية القرّائية، وعنها قال الباحث عصام فوزي في الفيلم إنهم كانوا مثل العرب تماما (بما يعني أن الآخرين لم يكونوا مثل العرب؟)، وإليها تنتمي عائلة زكي ومنير وليلى مراد، لم تتح رؤيتها للمشاهد. ويحدثنا جويل بنين في كتابه «شتات اليهود المصريين» عن اليهود القرائين الذين يتركزون الآن في جالية كبيرة بلوس أنجلوس في أمريكا. ولكن المخرج اختار السفر إلى فرنسا فقط.

الفيلم، والجزء الأول منه بالتحديد، مخيب للآمال. فهو لا يبدو قائما على بحث جاد، إذ اختار المخرج مجموعة من اليهود الذين يتحدثون الفرنسية ورفضوا دولة إسرائيل وكان لهم دور مهم في تأسيس الأحزاب الشيوعية المصرية. هذه المجموعة من اليهود، التي كان هنري كورييل ممثلا نموذجيا لها، والتي انتمى إليها شحاتة هارون وأحمد صادق سعد ويوسف درويش، جديرة بكل الاحترام طبعا. فقد اختارت الموقف ’السليم’ و’المثالي’ بين تياري الصهيونية والعروبية المكتسحين، لكنها لا تشكل وحدها مجموع يهود مصر؛ كان هناك اليهود المتدينون، واليهود الصهاينة، واليهود اللامبالون، واليهود الفقراء، واليهود من متحدثي العربية. كل هؤلاء اليهود أغفلهم المخرج، لأن المقصود لم يكن اليهود في حد ذاتهم، وإنما ترسيخ معنى ’كوزموپوليتانية’ الثلاثينيات. 

ارتبطت كوزموپوليتانية الثلاثينيات بالشمال الأوروپي، وبالطبقات الأعلى، وبالمثقفين. كثير من اليهود في الفيلم مثلا عبروا عن مشاعر متسامحة إزاء خدمهم العرب. لكن هذا لم يثر أي رغبة في النقد أو التفكيك لدى صناع الفيلم. من هنا تنبع جاذبية موضوع اليهود في سياق كوزموپوليتانية الثلاثينيات. فهم مختلفون دينيا، كما يُنظر إليهم لسبب ما باعتبارهم أوروپيين وأنيقين، بمن فيهم أولئك القادمين من أصول شرقية، سفاردية، إسپانية.

القراؤون كان بإمكانهم تقديم منظور مختلف، يندمج فيه اليهود أكثر في محيط الشرق الأوسط، ويعانون المشاكل نفسها التي يعاني منها المصريون الفقراء. صحيح أنهم لم يكونوا أكثرية بين اليهود المصريين، ولكنهم شكلوا أقلية مهمة، أقلية الأقلية التي منحت اسمها لحارة اليهود في الجمّالية على سبيل المثال. لكن المخرج لم يهتم بتتبعهم في فيلمه، رغم أنه لم يهتم كثيرا بموضوع 'الأقلية' و'الأكثرية'، وإلا لما دار فيلمه حول الأقلية من اليهود الرافضين لإسرائيل بشكل مطلق وحاسم.

في فيلم وثائقي آخر أبكر، هو «سلطة بلدي» (نادية كامل، ٢٠٠٧)، يتعقد موضوع اليهود المصريين. تسافر المخرجة إلى إسرائيل للالتقاء ببعض أفراد عائلتها من اليهود الذين قرروا الهجرة إلى هناك. العائلة المصرية-الإسرائيلية، التي تشعر بالحنين لأم كلثوم والوطن العربي، تعلق صورة لأبنائها بالملابس العسكرية الإسرائيلية على الحائط. تنظر الكاميرا إلى الصورة وترتعش (على الجملة الغنائية "أعطني حريتي أطلق يديا"). تفاصيل كتلك كانت كاميرا رمسيس ستتعامى عنها، لأنها لا تخدم الرؤية الأساسية لفيلمه: كنا متسامحين، ويهودنا بالذات كانوا كذلك.

[كتب هذا المقال في الأصل لمجلة «فَصْلة» التي لم تصدر في النهاية فيما عدا طبعة تذكارية محدودة من العدد صفر.]

آخر تحديث: ٠١ فبراير ٢٠٢٢