غنيمي - سلمى

سلمى: أول سؤال عايزة اسألهولك هو انت ليه كنت عايزني أنا تحديداً أعمل معاك الحوار؟

غنيمي :لأن الأفلام مافيهاش ستات، بس في نفس الوقت فيه جزء منها مهتم بتمثيل الذكورة وانتي اهتمام من اهتماماتك موضوع الجندر حسب ما أنا بأقرا في  كتاباتك وحسب اللي شفته في فيلمك التسجيلي "اللي بيحب ربنا يرفع إيده لفوق"، ومن ناحية تانية عشان انتي مخرجة، فده كان برضو حاجة لطيفة عشان مش بلاقي مخرجين كتير مستعدين إنهم يتكلموا عن أفلام بعض.

سلمى: أنا لما اتفرجت انبسطت وبالنسبة لي الأفلام التلاتة فيهم شغل بيتطور على نفس الأسئلة وهي ليها علاقة بالجندر وليها علاقة بقلق معين تجاه فكرة الذكورة  وما تعنيه سواء في إطارات الصداقة أو حتى الحب بشكل أو بآخر والأداء الذكوري masculine performance وكان بالنسبة لي لطيف إني أشوف ده وإني أشوف حد بيشتغل على فكرة الذكورة بهذا القدر من عدم الارتياح والهشاشة والقلق.

غنيمي: القلق موجود بشكل مستمر. هو القلق بالنسبة لي بيعبر عن نفسه في التلات أفلام بأشكال مختلفة، بس اقدر اقول إن فيه لحظات صدام أدت لأن القلق ده يخرج للسطح و ميكونش شيء خفي مش قادر أمسكه. يعني مثلاً في بحري فيه موقف واضح، وليه كمان أبعاد اجتماعية وهو صدام بالمعنى الحرفي، فلما الموقف ده حصل معايا ولما رجعت بعد كده واتكلمت مع الشخص اللي عمل معايا الموقف ده  (هو بعد كده مثل في الفيلم) كان القلق واضح مصدره. ساعتها قابلته وقعدنا نشتغل مع بعض فترة طويلة. أثناء الصدام بيني وبين ياسر يوم ما اتقابلنا كان فيه القلق بسبب إني تحت ضغط السؤال بتاعهم، و في نفس الوقت مش عاوز اهرب و اجري من ياسر و صديقه، فكان فيه طول الوقت احتمال إن يحصل أي حاجه عنيفة فجأة، حتي لو الاحتمال ده مش  متقال صراحة بس كان موجود. بالنسبة للكهف مثلاً باحس إن القلق هو عند أدهم، الشخصية اللي في الفيلم، من إنه يبقى لوحده، وكمان خوفه من عدم الإنجاز، بس في الحالة دي كان القلق هو اللي بيحرك كل أفعاله، الجذابة ساعات و العنيفة كمان.

بالنسبة لجزر طرابلس القلق كان عند الطفل البطل، كان القلق جاي من لحظة التحول المفروضة عليه، إنه يتحول من طفل لرجل، وإنه يجاري أفعال "الرجال" ليتم تقبله داخل المجموعة .الولد كان عنده حضور كافي إنه يبين المشاعر دي، وأعتقد إن دي كمان يمكن تكون حاجة أنا بحس بيها بشكل عام . وهو إن اللي بيحركني ساعات إني أبص على المواقف اللي بتبان مسالمة أو عادية لكنها بتحمل قدر ما من العنف، وأنا بحس إن دي حاجة ديناميكية بتحصل بين الرجالة أكثر. أو يمكن دي تجربتي أنا من وأنا مراهق، عديت بلحظات حاولت أبين قدرة عالية على تحمل العنف في المواقف العادية، مع الأصدقاء كمثال. في فيلم بحري، حاولت اعمل النوع ده من التوتر الخفي، وكمان في أفلامي اللي بعد كده حاولت أوجده بين الأبطال بدون مواجهه واضحة أو حتى مصارحة ومكاشفة. يعني مثلاً في فيلم الكهف بالنسبة لي من المشاهد اللى بتوضح الديناميكية ديه مشهد تقسيم الفلوس والحوار بينهم، اللي هو شكله يبان هزار بس جواه هما بيحطوا على بعض في كل جملة.

سلمى: كانت حاضرة جداً فكرة العنف ده، دايماً فيه الهاجس أوالحِمل بتاع إثبات حاجة، كأن الذكورة طول الوقت فيها محاولة إثبات زي ما انت قلت مين هيحط على مين..ولما بيكون فيه موقف فيه هشاشة مشاعر زي مثلاً في فيلم الكهف لما أدهم بيقول لعمرو "تعالى معايا نشوف مروة"، واضح إن علاقة الصداقة دي بتموت.. وواضح جداً الألم ده والهشاشة  بتاعة أدهم في اللحظة دي اللي، بس الهشاشة دي مخنوقة في نفس الوقت بهاجس إثبات ذكورة معينة..عادة الستات لما بتعمل أفلام عن علاقات الستات فعندنا سهولة أكتر في تقبل الهشاشة دي والرابط اللي بيجمعنا اللي مفيهوش هاجس الإثبات، لكن أظن الهشاشة دي أصعب التعبير عنها في فيلم عن علاقات بين الذكور وصانع فيلم هو نفسه راجل..ازاي تعاملت مع الممثلين في الشغل على الفكرة دي، يعني هل كان فيه مناقشات مع الممثلين ولا انت في جزء من اللي في دماغك مستخبي عنهم وانت سايبهم يلعبوا وانت بتلقطه لما يظهر قدامك؟

غنيمي: أنا لما باشتغل مع الناس باحس إن كل شخص بيمثل له طريقة، مش طول الوقت كل الناس بيكون مفيد إني أفهّمها بالضبط الإطار الأكبر اللي هما فيه، وناس تانية بيكون مهم إنهم يفهموا بالضبط هم بيعملوا إيه وليه، فبالنسبة لأدهم مثلاً، فهو شكاك جداً، ومهتم هيظهر ازاي، ومش مهتم اهتمامات من نوع اذا شكله هيبقى وحش ولا حلو، هو معندوش مانع يطلع نصاب، و بحدسه برضه كان قادر يخلق مسافة بين حياته و بين المكتوب في الفيلم، بس هو كان مهتم أكتر بتصديقه هو للموقف، يعني الصورة نفسها شكلها عامل إزاي. وأنا لما باعمل كاستينج باكون متوقع بالحدس إن الشخصيه الي قدامي عندها كاريزما وتنفع تمثل، وبكون متوقع الناس دي حتتفاعل مع بعض ازاي و بجرب في البروفات. بالنسبة لبحري أعتقد إن الحديث مع ياسر ما وصلش بينا لتفاصيل كل مشهد، لأن الفيلم نفسه ماسك حاجة ما بين التجريد والواقعية، ففيه حاجات مكنش عندي تفسير أنا ليه كتبتها زي مثلاً لما بيقوله ارسملي وزة. مكناش بنمسك مشهد مشهد واشرحله إنك بترسمله وزة عشان كده، بس بأقول في المشهد ده أنا عايزك تبقى بتفكر إنك بتقلقه أو تطلع منه كلام بس من خلال فعل يتوهه، واللي اتكلمت فيه مع ياسر أكتر هو موقعنا من الحدث لأن ياسر كان هو فعلاً الشخص اللي حصل معاه الموقف الحقيقي، فاعتقد إن مرحلة البحث في الموضوع كنت مركز افهم هو شايف العملته إزاي، و اشرحله ازاي انا ترجمت الاعتداء عليا، و الاسباب الي خلتني اصور مادة فيلمية في بحري، كنت عايز أفهم منه هو تصوره عن كل ده. أدهم مثلاً كان هيسألني بالتحديد "هو أنا ليه مطلوب مني ارسم وزة".

سلمي: أنا مكنتش عارفة هو ليه بيقوله يرسم وزة تحديداً بس ده كان أكتر مشهد مقلق ومربك وفيه لعبة السلطة دي، فكرني شوية بمشاهد اللجان الشعبية في حظر التجول، والسلطة اللي الواحد بيحس فجأة إنها عنده، فكـأن فيه اختبارات ذكورة بتحصل طول الوقت في كل تعامل بين كل الشخصيات، ومثلاً في جزر طرابلس، كان بالنسبالي كأنه اختبار دخول الولد الصغير ده لعالم الرجالة، بالذات الجزء اللي كان الأب عايزه يمسك الكابوريا والولد خايف، اللي بدأ تهريج وتحول إلى قلق وجودي عند الأب إن ابنه مش هيمسك الكابوريا وده هيكون معناه إيه بالنسبة لابنه كذكر في العالم.

غنيمي: أيوة موافقك.

سلمى: حابة أسألك عن حاجة مفصلة أكتر ليها علاقة باختياراتك كمخرج، في مشهد الجيم من فيلم الكهف اللي هو من أحلى مشاهد الفيلم بالنسبة لي، ومش عارفة لو ده انطباعي أنا ولا هو فيه حاجة فيها تأمل شبه إيروتيكي في الوشوش والحديد والأجسام، وفكرتني بمشهد الرجالة اللي بيرقصوا في الفرح عريانين في فيلمي، اللي هو مش الإيروتيكية اللي نابعة من نظرتي ليهم بس ولكن لأن فيه جانب جنساني في علاقات البني آدمين أياً كان نوعهم حتى لو مش بشكل معلن.

غنيمي: أه أعتقد زي ما قلتي، إن المساحات اللي فيها الرجالة واخدين راحتهم تماماً مع بعض بيبقى مثير بالنسبة لي تخطي احتمال الانجذاب ده تماماً، خاصة في أماكن مش قابلة تعترف إن فيه علاقات مثلية أو ضد وجودها، أو ضد حتى الاعتراف إنك في لحظة ما ممكن تغير على صاحبك عشان بقى مشهور أو عشان خطب مثلاً، فبحس إن بيحصل كبت للمشاعر دي حتى لو هي مش بالضرورة مثلية، أظن إن جزء من اختياري للجيم وتصوير الأجسام هو جزء من فكرتي إن المشاعر دي موجودة بس مكبوتة بسبب تصورات عن الأداء الذكوري.

سلمى: في قلق تاني له علاقة بالطبقة وبمكانك انت كشخص عنده سلطة، إنه هو اللي ورا الكاميرا وكمان من طبقة معينة وبتتعامل مع طبقة مختلفة، وده يخليني أفكر في مراجعات كتيرة حتى مع نفسي كمخرجة إن احنا لما بيكون معانا كاميرا وبنقرر نعمل أفلام، في النهاية هي لأمجادنا الشخصية، وبنقرر نروح مكان غريب عننا، فقد إيه بيكون عندنا وعي وقد إيه امتيازتنا المختلفة بتكون حاضرة في عملية التمثيل representation اللي احنا بنعمله للآخر، اللي هو ممكن يروح في حتة سخيفة جداً ونتخيل نفسنا أبطال بندي صوت للمهمشين أو بنوري المجتمع على حقيقته أو كل هذا "النصب" في رأيي، بس هنا كان فيه قلق واضح وكنت حاسة بوعي ما مش بس في أحداث الحكاية، باستثناء بحري لأن دي حكاية حصلتلك فعلاً، بس بشكل ما في العملية نفسها ومكانك انت وانت بتمثل حاجة فيها هذا البعد عنك.

غنيمي:  السؤال ده هو اللى خلاني ابدأ شغل علي بحري وأعتقد إنه الوعي جالي فى لحظة ما اتمسكت  لما شفت العيال بتلعب في بحري، هم أطفال شوارع، فرحت اتكلمت معاهم وهزرت وجبت لهم كشري وكنت أخدت الصور خلاص ومروح وبعدين هم قالولي إحنا بنبات عند المراكب فرحنا عند المراكب اللي هي موجودة في مشهد من مشاهد في الفيلم. مسكوني هناك وياسر واللي كان معاه سألوا العيال انتو بتعملوا إيه معاه؟ وهو كان عايز منكم حاجة ولا قالكم حاجة قليلة الأدب؟ فالعيال ارتبكو، ضغطوا عليهم اكتر ف العيال قالوا آه وجريوا، فطبعاً في اللحظة دي حسيت بقلق رهيب بس كمان كانت اللحظة اللي حسيت فيها إني كنت بأعمل حاجة غلط أصلاً، يعني أنا لو كنت فارق معاهم بنكلة كانوا دافعوا عني في موقف زي ده، بس الحقيقة إني كنت باتمصلح عليهم وهم بيتمصلحوا عليا وأنا عايز أطلع صور وهما عايزين ياكلوا، مع الأخذ في الاعتبار الفرق الرهيب في النوايا والأهداف، وده ال خلاني أفكر في موقعي زي ما انتي بتقولي.

وبالنسبة للكهف فاللي دايماً كان مثير بالنسبة لي في أدهم إنه كان مختلف عن السائد اللي شوفته من الناس اللى كبرت حواليا. طفولتنا في اسكندرية في  وقت مفيش فيه تليفونات ذكية، وكنا بننتمي وبنتحرك طبقا لعادات شريحة مجتمعية تجمع بين الطبقة المتوسطة وفوق المتوسطة، اللى بتحط ولادهم في مدارس لغات وأطفالهم يقضوا وقتهم كله  بين المدرسة والنوادي، ومكانش فيه منفذ للمساحة العامة غير المكانين دول. والأهالي مبيتطمنوش غير في السياقات دي، وهي في الآخر كلها أماكن جوه أسوار. فأنا قضيت جزء كبير من طفولتي في التمارين في النادي وكانت علاقتي بالمساحة العامة هي إني آخد الترام اللي بينزلني قدام النادي وباعدي الشارع ابقي في النادي، وبروح المدرسة بالأتوبيس. وقت المراهقة كان أدهم بالنسبة لي شخص مطلوق شوية، كان عارف أماكن تانية وعنده حكايات تانية غير الحيز الضيق اللي بنتحرك فيه. أنا بشوف أدهم  كعابر للطبقات، بمعني إن عنده تجربة حياتية حقيقية بره الحيز الاجتماعي اللي كان حواليا وقت المراهقة. فأعتقد إن ده كان أحد الحاجات اللي محركاني في الكهف، في أول فيلمين، كان سهل عليا أكوّن موقف من الشخصيات وعن موقعي ومن الموضوع و العملية الإنتاجية اللي حواليها بسبب وجودي حوالين الحدثين، سواء وجودي بنفسي في الحدث مع ياسر في بحري، أو علاقتي الشخصية بأدهم وتاريخنا الشخصي.

سلمى: آخر سؤال،  ما بين الكهف وجزر طرابلس انت شاركت في كذا إقامة فنية مكانتش لها علاقة مباشرة بالسينما تحديداً ولكن بالفن المعاصر، ده كان تأثيره عليك إزاي في الشغل اللي بعد كده؟ وكمان بشكل شخصي خاصة إن فيه حالة تعليب.. الناس  بتحطنا فيها واحنا بنحط نفسنا فيها

غنيمي: بعد فيلم الكهف كنت حابب ابدأ طريقة شغل جديدة بعيدة عن قصصي الشخصية. وأحاول ألاقي طريقة تانية تحرك أفكاري غير حوادث ومواقف صعبة حصلتلي أو شخصيات حقيقية أعرفها أثرت فيا. محاولة تغيير بداية طريقة الشغل عطلتني شوية، لأني زي ما ذكرت قبل كده كنت بحس إن وجودي داخل القصص والأفلام بيخلق موقعي السياسي بشكل أوتوماتيكي من الموضوع وكل اللي بحاول أعمله هو إني أحاول أفهمه أكتر وانقده، ف لفترة مكنتش عارف الاقي مكان أحكي منه مواضيع خارج حياتي اللي عشتها. يمكن ديه لفة كبيرة بس انا مخي بيشتغل كده.

الوقت الي قضيته في البرنامج (برنامج "أشغال داخلية" في مؤسسة أشكال ألوان - بيروت) والاحتكاك بفنانين بيشتغلوا بخامات مختلفة (كتابة، نحت، أعمال مركبة، فيديو، فوتوغرافيا) عن الوسيط اللي بستخدمه دايماً في شغلي، الكاميرا والأفلام، خلاني برضه أقدر أبص على عملية إنتاج شغلي وماخدهاش بشكل مسلم بيه، وأفكر في طرق أخلق من خلالها موقع سياسي في علاقتي بالمواضيع اللي عاوز اتكلم عليها. يمكن ده بسبب طبيعة البرنامج وتركيزه حوالين نظريات نقدية عن الصورة وإنتاجها بدل ما بيركز علي إن يكون عندي قصة متماسكة الأول قبل ما ابدأ شغل على فيلم قصير. ده خلاني اركز على المواضيع اللي عاوز اتكلم عليها الأول كأولوية، والتفكير في شكل التقديم ثانياً، بعيدًا عن حرفة الحكي والقصص والبناء التقليدي، دي بتاعتي أنا، والبرنامج نفسه مش برنامج تعليم سينما، فكان عندي المساحة إني أجرب بدون القيود اللي ممكن تفرضها أكاديمية سينما. دلوقت بعد سنتين من مرور البرنامج أقدر أقول إن الوزن بين الاتنين هي حاجة بفكر كتير إنها تكون محور شغلي في المشروع القادم. في الحقيقة بدأت مشروع جزر طرابلس لما أدركت أن أفلامي اللي قبل كده روائية على مستوى الشكل، لكن فيه حاجة في طريقة صنعها شبه الأفلام التسجيلية، فقررت أعيد إنتاج الأسلوب ده بالمقلوب، بأني اعمل حاجة شكلها تسجيلي بس أحداثها وشخصياتها غير حقيقية.

آخر تحديث: ١٠ أبريل ٢٠١٩