كيف يختبر فيلم عن اللاجئين صلاحية التعريف الأشهر للسينما التسجيلية

جاء العقد الثالث من القرن وأحضر معه رجالا ساهموا في وضع حد فاصل بين النوعين السينمائيين الكبيرين، الروائي والتسجيلي، بأفلامهم أو كتاباتهم أو نشاطهم السياسي والاجتماعي.

قد نختلف في تحديد ماهية الفيلم التسجيلي وكيف بدأ وعلى يد من. وقد يرفض البعض فكرة، أميل إليها شخصيا، مفادها أن السينما قد ولدت تسجيلية بطبيعتها ثم توجب على صناع الأفلام خلق المواقف المختلفة لما يحدث أمام الكاميرا حتى يتواصلوا مع الجمهور بشكل أكبر، خاصة بعد أن خفَت الاندهاش الأول لدى الجمهور بعد فترة من العروض السينمائية المبكرة عند مطلع القرن الماضي. ولكن الأمر لم يكن دائما بهذا الوضوح. كان هناك قدر من التنوع بين ما يصوَّر دون حدود فاصلة. حتى جاء العقد الثالث من القرن وأحضر معه رجالا ساهموا في وضع حد فاصل بين النوعين السينمائيين الكبيرين، الروائي والتسجيلي، بأفلامهم أو كتاباتهم أو نشاطهم السياسي والاجتماعي.

وقد أميل إلى وضع اسم جون غريرسون (١٨٩٨-١٩٧٢) في المقدمة ليأتي بعده روبرت فلاهرتي (١٨٨٤-١٩٥١) وپول روثا (1907-1984) ودزيغا ڤيرتوڤ (1896-1954) وغيرهم. ليس فقط لأن غريرسون صك المصطلح الذي ما زلنا نستخدمه حتى الآن (documentary) ولكن أيضا لأنه وضع تعريفا جامعا مانعا للنوع، تعريفا قادرا على الصمود حتى تاريخ كتابة هذه السطور بعد ما يقرب من قرن على ظهوره. لا يزال هذا التعريف قائما وقابلا للنقاش حتى بعد حتى أن أسقط العديد من النقاد ومهرجانات السينما الحد الفاصل بين الروائي والتسجيلي من الأساس. بل إنني أرى أن في تعريف غريرسون للسينما التسجيلية بأنها "المعالجة الخلاقة للواقع"، ليس فقط ما يساعدني على تلقي العديد من الأعمال التسجيلية، بل أرى فيه أيضا خير معين أثناء عمليتي التصوير والمونتاج في أعمالي الفنية الشخصية.

في فبراير الماضي، وقبيل تقديمها «جائزة الدب الذهبي» في ختام مهرجان برلين للمخرج جيانفرانكو روزي عن فيلمه "حريق في البحر"، وصفت الممثلة الأمريكية القديرة ميريل ستريپ فيلم روزي بأنه "مزيج جريء من لقطات مصوَّرة وحكي مُتأنٍّ ومحكَم يسمح لنا بتأمل إمكانيات الفيلم التسجيلي." وأزعم أن هذه الثنائية هي قدر الفيلم التسجيلي منذ ولادته. ثنائية 'الواقع' و'معالجة الواقع'، وهو ما لخصه غريرسون ببساطة في تعريفه. فاللقطات المصورة، أيّ لقطات مصورة، بطبيعة الحال، تفرض على المصور عناصر خارجة عن إرادته لم يتدخل هو في صناعتها، على الأخص في التسجيلي. وعلى الجانب الآخر، فلبناء حكاية ما، تتطلب عملية الحكي اتخاذ مجموعة من الاختيارات العملية، والأخلاقية أحيانا. إذ لا يمكن التعريف بجميع الشخصيات وقول كل المعلومات في نفس الوقت. يجب أن يكون هناك ترتيب ما، وبالتالي قرارات من 'الراوي'. وربما يكمن هنا ذكاء تعريف غريرسون. ولقد أفاض غريرسون نفسه وآخرون في تعريف الواقع أو الحقيقة في هذا الإطار.١

"الحقيقة، أولا وأخيرا، مورد شحيح.” - جيمس و. كاري

وبالعودة إلى أحد مشاهد فيلم روزي يمكننا طرح سؤال قد يساعدنا في تحديد 'الحقيقة' بشكل عملي. في أحد المشاهد، يتحدث الطبيب پييترو بارتولو (أحد شخصيات الفيلم الرئيسية) وهو أمام شاشة حاسوبه عارضا بعض الصور المتعلقة باللاجئين الذين تعامل معهم في فترات مختلفة، ويخبرنا الرجل عن أنواع الإصابات المختلفة التي يأتي بها اللاجئون إليه؛ عن بعض أنواع الحروق وعن أعراض المرض الناتج عن الاختناق أو العطش أو سوء التغذية، كما يتعرض لأنواع الجثث المختلفة التي توجب عليه التعامل معها وفحصها في السابق، بل وقطع أجزاء منها لأسباب مختلفة، ويوغل في التفاصيل ليذكر اضطراره إلى قطع أذن طفل رضيع في مرة من المرات. مشهد مؤثر بكل تأكيد. ولكن أين 'الحقيقة' هنا؟ أزعم أن الحقيقة هي فقط ما نراه؛ أن هناك رجلا أمامنا يتحدث عن فظائع بعينها، أي أن المشهد ليس 'دليلا' على أن تلك الفظائع قد حدثت بالفعل. بل إن جزءا كبيرا من تأثرنا بالمشهد في الأساس نابع من تأثر بارتولو نفسه بما يحكي وبما يتذكر من مواقف أليمة. ربما كان ما حكاه الرجل مبالغا فيه أو منتقَصا منه، ولكن هذا هو ما جادت به ذاكرته في تلك اللحظة التي خلدها الفيلم. وهي وحدها الحقيقة الباقية.٢

ومن اللافت عند مطالعة مختصر حياة غريرسون وكتاباته وآرائه التزامُه السياسي والاجتماعي بقدر ربما يفوق اهتمامه بالسينما التسجيلية كنوع فني. حتى أنه أكد على نظرته الراديكالية تلك في ١٩٤٢ عندما قال بأن فكرة الأفلام التسجيلية لم تكن بالأساس فكرة سينمائية على الإطلاق، وإنما " فكرة جديدة للتوعية العامة".٣ وبالنظر إلى صراعاته السياسية في المملكة المتحدة وكندا والولايات المتحدة الأمريكية (من قبيل أنه واجه مشاكل من نوعية إلغاء إقامته في الولايات المتحدة من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي للاشتباه في كونه جاسوسا)، يمكننا الخلاص إلى أن همّ الرجل الأول كان منصبا على 'استخدام' ذلك الوسيط في 'توجيه' المجتمع إلى ما هو أفضل من وجهة نظره، اليسارية بطبيعة الحال. وهو أمر شديد الأهمية إذا ما وضعناه في سياق السينما العالمية الحالية.

حصل فيلم روزي على أهم جوائز مهرجان برلين السينمائي الدولي للعام 2016 في نفس الوقت الذي تنصب فيه صراعات الدول الكبرى على محاولة لإيجاد حل لأزمة اللاجئين غير الشرعيين، والذين يصل من نجا منهم من الغرق إلى سواحل أوروپا في قوارب هزيلة، في واحدة من أكبر مآسي عالمنا المعاصر. وتتحدد أجندات اجتماعات بروكسل متضمنة ورقات ضغط متعلقة بالموضوع ذاته. فيلم روزي ليس وعظيا، أو هذا ما أراه، ولكنني أزعم أن قدرته على الصمود فنيا في هذه اللحظة العالمية، ناهيك عن قدرة المنتج على تمويل المشروع منذ البداية، تتعلق بشكل مباشر بموضوعه الحساس لدى مواطني العالم. بل إن كلمة المخرج في المؤتمر الصحفي اللاحق لحصوله على «الدب الذهبي» تضمنت موقفا سياسيا واضحا يتعلق بفشل العالم في التعامل مع هذه الأزمة. وجدير بالذكر أنه استعان بالطبيب پييترو بارتولو ليكون زميله على المنصة، ليحكي عن تجربته كطبيب شرعي يعمل في جزيرة لامپيدوزا الإيطالية (حيث يصوَّر الفيلم بالكامل)، وعن خبرته في التعامل مع هؤلاء اللاجئين منذ عام 1991. أي أننا في هذا المحفل الفني السينمائي، وفي سياق الاحتفاء بفيلم تسجيلي، كانت لدينا حاجة ما إلى حضور إحدى شخصيات الفيلم الحقيقية لتضفي تأثيرا وتعطي مشروعية أكبر لمنتج فني خالص. أرى في هذا المشهد استمرارا لثنائية التزاوج الذي طرحه غريرسون، بين الواقع من ناحية ومعالجة الواقع من ناحية أخرى. فالطبيب هو طبيب حقيقي استُخدم كشخصية في فيلم تسجيلي لمعالجة موضوع اللاجئين معالجة فنية، ولكننا ظللنا في حاجة إلى هويته الحقيقية كطبيب على هامش مناقشتنا للفيلم.

أنا واثق من أنه ما زال في جعبة السينما الكثير لتقدمه. وعلينا أن ننتظر ونؤمِّل فيما تجود به السنوات القادمة. ولكنني، وفيما يتعلق بالسينما التسجيلية، أجد أن تعريف غريرسون هو الأقرب للوضوح والدقة معا، حتى الآن.

  • ١. يمكن العودة إلى كتاب مدخلي حديث لمطالعة نقاش حول مفاهيم الحقيقة وعلاقتها بالفيلم التسجيلي: الفيلم الوثائقي: مقدمة قصيرة جدا، پاتريشيا أوفدرهايدي، ترجمة: شيماء طه الريدي، كلمات عربية للترجمة والنشر (لتنزيل نسخة إلكترونية مجانية http://www.hindawi.org/books/37969426/)، ٢٠١٣ Documentary Film: A Very Short Introduction, Patricia Aufderheide, Oxford University Press, 2007
  • ٢. يقول المخرج في أحد الحوارات إنه كان يحاول عمل فيلم "ضد-وثائقي": http://nofilmschool.com/2016/09/fire-at-sea-gianfranco-rosi-interview
  • ٣. الفيلم الوثائقي: مقدمة قصيرة جدًّا Documentary Film: A Very Short Introduction (مصدر سبق ذكره)

آخر تحديث: ١٨ مارس ٢٠١٧