«هلأ لوين؟» ولكن من أين؟

في ١٨ مارس ٢٠١١، قُتل محمود ابن نسيمة عبد الحليم برصاصة قناص في شارع بمصراتة.

بعد أقل من شهر جاء إليها الثوار بجندي مأسور من قوات القذافي وأخبروها بأنه في طابور الإعدام. أعطوا لها مسدسا وأعطى هو ظهره لها. وقتلته.١

في ٩ أبريل ٢٠١٤، اتجهت سميرة علي-نجاد أم عبد الله إلى قاتل ابنها وحبل المشنقة ملتف حول عنقه، وحسرت العصابة عن عينيه، وصفعته، معلنة أنها، أخيرا، سامحته، وعفت عنه. وآذن فعلها بتجدد حملة مناهضة عقوبة الإعدام في إيران.

قبل ذلك، في يناير ٢٠١٤، نقلت الصحافة عن ليلى مرزوق، والدة خالد سعيد الذي عذبته الشرطة المصرية حتى الموت، والملقبة بأم المصريين من قبل الثوار، والتي لم تحصل على أي حكم ضد جلادي وقتلة ابنها حتى الآن، إعجابها بإنسانية عبد الفتاح السيسي.

وعلى الشاشة العربية الكبيرة، في مجتمع نسائي مؤقت بقرية متخيلة قائم على واقع ثقافي واجتماعي لصعيد مصر وإنْ بتكنيك يستخدم عناصر فانتازية، تشترك نساء «عرق البلح» (رضوان الكاشف، ١٩٩٩) في جريمة شرف ليتخلصن من إحداهن بعد تعيير رجال قرية مجاورة لهن "الكفر فاته الرجالة / ونسوانه حبالى". أما حزينة في «الطوق والإسورة» (خيري بشارة، ١٩٨٦) فهي تشي لابنها بحمل حفيدتها ابنة أخته سفاحا وتراقب في حداد مسبق بينما يتنازع خال الفتاة وابن عمتها على غسل العار بالدم. وفي حقيقة الأمر، ربما تكون شخصية الأم الصعيدية الحافظة لتراث الزوج والأب والمحرضة لأبنائها على الأخذ بثأره قد أصبحت شخصية نمطية في تراث السينما والدراما التليفزيونية المصريتين. وفي حقبة بعيدة وعلى الشاطئ الآخر، فإن مانويلا الغجرية في «المصير» (يوسف شاهين، ١٩٩٧) تصفع المنتمي للمتشددين قتلة زوجها المغني الأندلسي عدة صفعات وتسبه قبل أن تحتضنه.

مقاتلة بحزب القوات اللبنانية - ١٩٨٥

وعلى تنوع نفسيات وخبرات هؤلاء النساء فرادى وجماعات، في الواقع وفي الخيال، وفي الزمن الثوري كما في الأزمنة السابقة عليه أو التالية له، في الحرب وفي السلم، فهن لا يشبهن من قريب أو بعيد نسوة «هلأ لوين» (نادين لبكي، ٢٠١١). ويستدعى هذا مثالا إضافيا ذا صلة من تاريخ لبنان الحديث. ففي منتصف عقد ١٩٨٠، في الحلقة التي عرفت من الحرب الأهلية اللبنانية بحرب المخيمات وتميزت بالتناحر الشيعي-الشيعي بين حزب الله وحركة أمل، خرجت مظاهرة نسائية في الضاحية الجنوبية ببيروت لتندد باقتتال الأخوة وأبناء الدين الواحد. فُرِّقت المظاهرة سريعا بإطلاق النار عليها من قبل رجالهن المسلحين.

ولكن في وثائقي من إنتاج الجزيرة (السلاح في أيدٍ ناعمة Women Warriors، ٢٠٠٩) عن دور النساء في الحرب الأهلية اللبنانية، تسرد المقاتلات، مسيحيات ومسلمات، شهاداتهن عن كيف حملن السلاح واستخدمنه مراهقات وشابات، إجبارا واختيارا، ثأرا واشتباكا وهجوما واغتيالا، وبعضهن يعبرن عن حبهن للسلاح ويذكرن أنواعهن المفضلة، وإحداهن من ضيعة حدودية. وتقرر النساء الست كلهن عدم ندمهن على شيء أو إحساسهن بأي خسارة وأنهن على العكس يشعرن بالقوة والتحقق، وتذكر واحدة فقط أن الخسارة الوحيدة ربما تكون نظرة الآخرين إليها كأنثى "مسترجلة"، وتذكر أخرى أنها لم تحب التصويب على الرأس لتتجنب رؤية الأشلاء.٢

ولكن مهلا، فربما يتعين علينا ألا نتعجل في الحكم على فيلم نادين لبكي بأن له علاقة بلبنان! فليست القرية فقط متخيلة كقرية رضوان الكاشف، بل تقدم في كل المراجعات والنبذات باعتبارها قرية شرق أوسطية وحسب، ربما بإيعاز من لبكي، بينما يذكر محاورها في أحد المقابلات أنها قرية لبنانية حدودية ولكن مجهلة٣، ووفقا للفيلم نفسه فاسم لبنان لا يذكر قط، ويتكفل صوت الراوي (المخرجة نفسها أو آمال التي تؤدي هي دورها) بوضع الضيعة في جو وإطار حكاية شعبية. كما أن الزمن في الفيلم غير محدد وإذا استعننا ببعض التفاصيل من الفيلم (مثل إدخال طبق الاستقبال والأخبار الواردة) أو خارجه (مثل التصريحات التالية) سيظل الزمن ملتبسا.

فقد كان مصدر إلهام الفيلم وفقا لصانعته أحداث مايو 2008، عندما وقعت صدامات بين تحالف حزب الله والتحالف المناوئ لسوريا وإيران – وهو نزاع سياسي ذو طابع طائفي ومتصل بتاريخ الحرب الأهلية اللبنانية – مما دفع لبكي المحبوسة في المنزل إلى التفكير في إمكانية تجدد الحرب. وعندما علمت في اليوم نفسه بحملها تخيلت ابنها يكبر ويصبح من رجال الميليشيات المنتشرين في الشوارع لأن حماية الأهل تغوي الشباب، متسائلة عما يمكن لها فعله عندئذ لإيقافه.٤

ليس بوسعنا إذن الحكم على الفيلم (السياسي؟) باعتباره تاريخيا، أي باعتبار التاريخ الماثل في خلفيته إن لم يكن في الدراما نفسها. فهل نلجأ إلى الواقع الاجتماعي—الذي يحيلنا إليه أيضا «عرق البلح» دون زمنية؟ وكما يلاحظ نقاد لبنانيون، فضيعة لبكي منغمسة في تأثرها بضيعة الأخوين رحباني، ويلاحظ بعضهم أن هذا يكسبها رمزية.٥ والضيعة الرحبانية معزولة عن العالم تاريخا وجغرافيا.٦ لكن هذا الانعزال، كما توحي لنا الخنادق والألغام حول زمام الضيعة، لم يحدث إلا منذ نهاية الحرب.٧ ومن جديد فنحن لا نعرف متى حدث ذلك. فهل فقدت آمال زوجها منذ عشرين عاما؟ منذ عشر سنوات؟ منذ ما يساوي عمر الطفل الذي يجمعها به المشهد المفعم بالأمل والخوف بعد طردها الذكور الشباب المتعاركين من المقهى؟ أهو طفلها؟ هل شهد جيل الشباب في الضيعة الحرب؟ ما الذي تغير خلال هذه المدة غير المعلومة؟ ويقدر البعض عموما أن الزمن هو عقد 1990.٨

هذا أول عامل من عوامل الخطر الذي يمثله فيلم كهذا. إذ يكمن مصدر جاذبيته الأساسي بالنسبة إلى مواطنيه على الأقل، كما لاحظ بعض النقاد، في تجريده المأساة من سياقها المعقد بدون أي نقاش أو تحليل أو حتى مجرد ذكر.٩ أما عامل الخطر الثاني فهو في الحقيقة حلاوة الفيلم وعذوبته الإنسانية وبالتالي شدة تأثيره العاطفي. وتقول ناقدة إن الفيلم به "رقة قلب وغضب يَجُبَّان ميوعة بنائه."١٠

فالفيلم ينجح بالفعل دراميا وتقنيا في إضحاكنا وإبكائنا، وحتى "الإسراف الجمالي" الذي لاحظه ناقد١١ (ويبدو أن إضفاء الطابع الفردوسي بصريا على الريف تقليد أصيل في السينما العربية)، حتى هذا يخدم التأثير بشدة عندما يتهدد فجأة نعيم سلام القرية ويوشك أن يتحطم. أما دراميا فالحكي يشكل مركز ثقل الفيلم شكلا وموضوعا، وتعتمد قوة الفيلم تماما على قوة القصة التقليدية، دون أي إفادة تذكر من تقنيات السرد الحداثية الملائمة لسردية أعقد، فلا تيار وعي أو حوارات ذاتية داخلية، لا عودة في الزمن، وما يوشك أن يصبح عنصرا وثائقيا من خلال نشرات الأخبار والجرائد سرعان ما ينطفئ. وليست نساء القرية وحدهن هن من يخفين عن رجالهن ما يحدث حفاظا على السلم، فلبكي نفسها هي التي تخفي كل شيء تقريبا عن مشاهديها، ليس من سياقه فقط، وإنما من عالم الفيلم نفسه، فحفاظا على ماذا؟

والأمثولة الرمزية التي تتخذ القصة شكلها تقدم لنا قرية بها قومان على دينين، شهدت حربا أهلية (هي في الفيلم مجرد فتنة طائفية) امتدت إليها من بقية البلاد، وتتجدد أحداث العنف في الخارج فجأة، فتعكر على نساء القرية مشروعهن التعاوني الترفيهي الإعلامي، وسرعان ما تقع أحداث غامضة تثير الفتنة، بعد حادث أول بعين الراوي العليم هو انكسار الصليب وتكتم المراهق المسيحي المتسبب في ذلك بالخطأ على الأمر حتى بعد تطوره المنذر بالشرور والخطر المعمم. وهنا تتمحور القصة حول خطين هما سلسلة التفاقمات من ناحية الرجال، ومن ناحية أخرى، وبشكل أساسي، حيل النساء. وتتخذ الأخيرة شكلا مثيرا يذكرنا بأفلام النصب والاحتيال، إلى حد أن ناقدين على الأقل امتنعا عن ذكر الحيلة الأخيرة، كيلا يحرقا الحبكة للمشاهدين.١٢ وتتمثل النهاية السعيدة المفاجئة تماما في نجاح النساء أخيرا، فالحل النهائي الذي يلجأن إليه حاسم حقا!

وهنا يأتي الخطر الثالث والأخير، وربما الأكبر، للفيلم، وهو بالضبط ما بدأنا به: دور النساء. وهو دور يراه ناقد مفهوما رغم تحفظه عليه، لأسباب بيولوجية هي التهديد المباشر الموجه للمرأة كأم.١٣ لكن الفيلم يكتفي بمونولوغ صارخ لآمال في المقهى ومشاهد حراقة لأم نسيم القتيل وهي تدفنه بمفردها وتتكتم على موته ثم تطلق النار على ساق ابنها الثاني حماية له وللضيعة، دون أن يرينا من ناحية أي تمايز لكتلة الذكور غير واضحة المعالم إلى أبناء وآباء، أو أن يجتهد في تحليل هذه الحقيقة الأمومية المسلم بها. لكن المشكلة أكبر كثيرا من مجرد عيب خاص برسم الشخصيات.

نساء في كفرحتى يحملن السلاح في أقليم التفاح أثناء مآتم أحد قتلى حركة أمل سقط بعد مواجهات مع حزب الله ١٠ يناير ١٩٨٩

فما الذي يدعونا إلى اعتقاد أو تمني أن تمثل النساء (لا النسويات) ثقافة مضادة أو بتعبير غرامشي "فطرة سليمة" مضادة للذكورية (المتبدية هنا في النزعة الحربية لا في أي شيء آخر موجه إلى النساء)؟ استلهمت لبكي قصتها التراجيكوميدية من كاتب ذكر من اليونان القديمة، أحد مراتع الثقافة الذكورية التي تزخر ميثولوجيتها بكراهية النساء. وقد قامت حبكة مسرحية أرستوفانس الأصلية «ليزستراتا» Lysistrata، للمفارقة، على تنويعة أكثر نسوية: فالنساء على طرفي الصراع في الحرب الپولينيزية يهجرن رجالهن في المضاجع كتكتيك للضغط في سبيل إيقاف الحرب ومن هنا تنشأ الكوميديا والصراع بين النوعين. وبالصدفة، في عام إنتاج الفيلم وبدء عرضه، تفوز بجائزة نوبل للسلام ناشطات من ليبيريا، كن قد استخدمن قبل ذلك بأعوام تكتيك الإضراب الجنسي في الضغط على رجالهن مسلمين ومسيحيين لخلع الديكتاتور وإنهاء الحرب الأهلية، ضمن نضالهن اللاعنفي الأوسع الناجح.١٤ وإمعانا في الصدف، ربما، يظهر في العام نفسه فيلم «نبع النساء» La source des femmes (رادو ميهايلينو)١٥، الذي تشبه أجواءَه القروية بشدة أجواء ضيعة لبكي، ويدور حول تيمة إضراب جنسي شبيهة ولكن بهدف إجبار الرجال على تبادل الأدوار وإحضار المياه من النبع.

أما لبكي فنساؤها إلى جانب الحشيش ومخدرات أخرى (تنسى لبكي أن رجال ميلشيات مذبحة صابرا وشاتيلا تعاطوها قبل شروعهم في العمل)، وبهدف التهدئة، يجلبن إلى رجالهن نساء من أوكرانيا، بديلا عنهن باعتبارهن هن ربما مصدرا لتعاستهم الجنسية والتي هي بدورها مصدر مفترض لعنفهم وطائفيتهم، وهو تحريف رجعي غير مفهوم، ربما تم لأسباب رقابية، لتكنيك الدعوة لممارسة الجنس تخفيفا للتوتر الذي اشتهرت به إناث قردة البونوبو، التي تعيش في مجتمعات مساواتية ومسالمة كمجتمع الضيعة. في مسرحية أخرى ذات صلة لأرستوفانس هي «مجلس النساء» Ecclesiazusae تستولي النساء على الحكم لدراسة موقف متخيل آخر لا يزال سؤاله يطرح إلى اليوم، وهي مسرحية أعاد توفيق الحكيم كتابتها، أو بالأحرى قام بتسطيحها ليؤكد تفاهة النساء، بعنوان «پراكسا أو مشكلة الحكم»، وأعيد إنتاج هذه في 2009 في مصر باسم «پراكسا».

والعَمَلان لأبي الكوميديا وإن اختلف تأويلهما، فيجده نقاد يعبر في «ليزستراتا» عن السخرية واليأس من إمكانية حل للمشكلة السياسية، ومن الطبيعة البشرية وعجزها عن الإيثار في «مجلس النساء»، فهما متلاونان ومتعددا الطبقات، ويظل استثنائيا تناوله لمحنة النساء في الأولى إذ تطفئ الحرب نور حياتهن وتفرغها من معناها، ولفكرة المشاعية، في الثانية، كحل جذري، وإسهامه ضمن مثقفي زمنه بمناقشة دور مختلف للنساء.

وَلْنُعِد السؤال المشروع وثيق الصلة عن الفارق بين النساء والرجال: أين التذويت internalization الذي قاربته النسوية بموجاتها الثلاثة على اختلاف منطلقاتها؟ ألم تتشرب المرأة قيم السيد الأب صاحب السلطة والثروة والدين؟ عند سؤالها عن نسويتها المفترضة، تقول لبكي: "لست في مهمة لتمكين النساء." وتوضح أن مادة موضوعها تعكس ما يعن لها بعفوية.١٦ وهو ما يطرح أسئلة عن المغزى من أفلام تناقش قضايا مثل اللزبانية وترقيع غشاء البكارة وانقطاع الطمث («سكر بنات»، 2007) ثم دور النساء في السِلْم الاجتماعي، بينما تستخف صانعتها بفكرة وجود هدف جنوسي للفيلم، ناهيك بأي اتجاه نسوي. (والفارق بين التحديين الذين يمثلهما العملان يشبه الانتقال من حمام سباحة أُجيدَ فيه الأداء إلى المحيط.) وقد تكون لبكي مجرد تنويعة سينمائية على حالة كاتبة مشغولة بقضايا الجسد مثل مواطنتها جمانة حداد، تقفز، وفق ناقدة، على نضال النسويات ووضع المرأة نفسه، إلى مرحلة هلامية تسميها "ما بعد نسوية".١٧ ولا يتطلب تمكين المرأة نسج أي أوهام عنها، وكما يلاحظ ناقد، فتعاطف المرأة مع المرأة في الفيلم بل وتخلصها من الغيرة "تلاعب خطير بطبيعة المرأة".١٨

في بحثها الشهير عن الطبيعة الغريزية في نفسية المرأة، تناقش كلاريسا پنكولا إستس قدرة المرأة على الغفران، سواء كضحية فردية أو كعضوة في جماعة إزاء جماعة أخرى أو شعب آخر، وتؤكد على التفاوت بين قدرة امرأة وأخرى. كما تشير إلى أن مواجهة الحقيقة العارية في جوهر عملية التداوي. ثم تقسم عملية الغفران إلى حركة رباعية تطول أو تقصر بحسب الجهد المبذول ووعي المرأة بحدود قدرتها في كل لحظة واستعانتها بمورد حافل من تكنيكات التجاوز.١٩ أما في الفيلم فتسامح المرأة مسلم به وميكانيكي وجاهز مسبقا وبشكل جمعي.

مقاتلات من حزب الكتائب اللبنانية وراء متراس يطل على ساحة الشهداء في ٢٢ سبتمبر ١٩٧٥

يحمل الفيلم إذن إشكالات متنوعة للنظرية السينمائية النسوية والتحليل النفسي، لكن المفارقة الحقيقية بالرجوع إلى المقال التأسيسي للورا مالڤي، "المتعة البصرية والسينما السردية" (1975)٢٠، هي وجود فيلم تصنعه سيدة ويمثل نظرة المرأة وتحرك أحداثه سيدات بينما الرجال مهملون تقريبا، إلا أن صانعة الفيلم، بغض النظر عن مشاركة معتبرة من الرجال في كتابة النص،٢١ تُطمس كل خبرة نفسية واجتماعية للنساء تقريبا، بينما تتحول فاعلية النساء إلى مجرد سلسلة من ردود الفعل العملية ككائنات ذكية تعجز في الوقت نفسه عن وضع حدود لفاعلية الرجل ذي اليد العليا.

ومن المثير للعجب والسخرية أن رجلي الدين في الفيلم يمارسان دورا سلميا مضحكا كملاكين خائبين، ويفران مع الراقصات من ضيعتهما المجنونة في النهاية، بعد أن تبودلت الديانتان بين رعيتيهما. ولا يمثل الفعل الأخير أي تمرد على الدين كعامل في المأساة، وإنما مجرد تصرف. وهو تناول مرتبك يذكرنا في أفضل الأحوال بأغنية جون لينون "تخيل" Imagine: سيختفي الدين ويعم السلام، وكأن الدين كيان منفصل عن القوى الأخرى في العالم ونبع الشر والكراهية. أما المختار، الممثل للسلطة السياسية، فمجرد رجل طيب خامل. ولا طبقات في الضيعة، ولا مصالح من أي نوع بالتالي، كما لاحظ ناقد،٢٢ ويبتذل الصراع في تراجيكوميديا مواقف، إن جاز التعبير. وقد سبقت الإشارة إلى كيف أُجهض أي إلماح إلى دور الإعلام وصراعاته وشبكة مصالحه. والضيعة لا تقدَّم أصلا كمجتمع سلامي، على غرار الآميش مثلا، نجح بشكل ما في الوصول إلى صيغة جماعية. وهكذا لا يتبقى من قرية لبكي، "الطوباويّة" بتعبير ناقد٢٣—طوباوية هشة سطحية ربما، إلا اختيارها كمسرح للأمثولة. ولعل ضيعة الرحبانية الأشهر، كحلون، في مسرحية «ميس الريم» (1975) أكثر واقعية ومعقولية وذات معنى بالمقارنة رغم رمزيتها الأشد تكثيفا. ففي القرية عائلتان ينتمي إلى كل منهما أحد الحبيبين ويقع الخلاف على أساس طبقي وقبلي.

والشر في أمثولة لبكي لا يعدو كونه ظاهرة ميتافيزيقية غير نفسية، فالشيطان دخل بيننا من خلال هورمونات الذكورة غالبا، وهكذا يبرز الفيلم بتعبير ناقد "الوجه الفنتاسماغوري لحقيقة نشوء العنف".٢٤ لكن تأويل الفيلم على أي وجه خطابي أو فني، باعتبار عنصر العبث مثلا، سيصطدم دائما بعدد لا حصر له من أقنعة الخطاب والقفزات المراوغة نتيجة اهتمام فج بالأسلوب على حساب أي معنى.٢٥ وهي تشمل الموسيقى والعناصر غير الواقعية أو الفانتازية—منذ اللحظة الأولى لافتتاح الفيلم، كما تشمل الاستعانة بممثلين غير محترفين والاهتمام بواقعية التمثيل٢٦ في تناقض إضافي في النبرة والجو. ولكن إذا كان أرستوفانس يصل إلى عبثية الوضع والاختيارات فإن لبكي تصل إلى حل عبثي.٢٧ ومن جديد يراوغنا خطابها بحيث يقول كل شيء، الشيء وعكسه، أو، في أفضل الأحوال، لا شيء على الإطلاق.

وهكذا فإن القيمة الباقية السليمة الوحيدة هي التنفيس التطهيري عند المشاهدين. وإذا أصبحت السينما طقس تطهر بين الدم والدم، فإنها تعود إلى الوظيفة السحرية القديمة البدائية للفن، وهو دور تجاوزه الزمن والمجتمع على أقل تقدير، ولا يلبي للأسف هدف لبكي المعلن.

تؤكد لبكي على كون قصتها السينمائية أمثولة رمزية،٢٨ ويجمع على ذلك النقاد،٢٩ لكن الفيلم يرينا خطورة قيام أمثولة على واقع تاريخي واجتماعي تم التمثيل بجثته، ومشاكل توظيفها كقناع للخطاب لأغراض رقابية ذاتية وتجارية أيضا٣٠ لا كشكل فني ملائم.

وإذا كانت نهاية الفيلم تبشر بأمل في المستقبل معقود على التثاقُف، في عملية تحول اجتماعي يقوم على أساس تغير جذري يطور فعل التضامن، فهذا المستقبل معلق في فراغ يمثل ماضيا مسكوتا عنه بما لا يخدم الفن ولا الموضوع. وعلى نجاة الفيلم من فيتيشية الحرب سواء بتحويلها إلى ولع تاريخي بالتفصيل أو بمشهدية العنف، إلا أنه وقع في مشهدية الشر. أما المقولة الأساسية الصحيحة والمنقودة جزافا من بعض المراجعين وهي أن الرجال يخربون والنساء يبنين، فقد تشوهت على يد نساء يفسدن رجالهن سعيا إلى سلام كارتوني، ومخرجة تجامل الرجال، لا العكس، فلا ذنب لهم في هرموناتهم.

ويصل خوف لبكي المعلن من الرقابة والتجاؤها إلى الرقابة الذاتية المسبقة إلى حد الاستسهال التقليدي لجعل الحب المستحيل بين مسلم ومسيحية – لا العكس – تفاديا لوجع الدماغ. ولا ندري إلى أي مدى يساهم فيلم كهذا في تحرير صانعته ناهيك بتحرير أي إنسان، أو أي وهم يتبقى لها عن نجاح التحايل.٣١ والراحة الناتجة عن تجنب السياق التاريخي تشمل غير اللبنانين أيضا، بدءا من المنتجة القادمة من فرنسا، الأم la mère كما يدعوها بعض اللبنانيين والفاعلة في لبنان كاستعماري قديم منذ نشوب الحرب الأهلية الأولى بين الدروز والمارونيين في ما قبل تاريخ البلد في منتصف القرن التاسع عشر، ثم كاستعماري جديد منذ ميلاد الدولة القومية اللبنانية جراء التقسيم، وحتى الساعة، وربما حتى قيام الساعة.

لكن مشكلة لبكي في الحقيقة لا تنحصر في عمل وصفة جاهزة مريحة وخطرة، بل في أن فيلمها ربما يمثل بالفعل وجهة نظرها في العالم. وهي وجهة نظر لا تنفرد بها. وتقول مؤلفة «نساء يركضن مع الذئاب» في مقابلة بعد نشر كتابها، وكأنها تتحدث عن لبكي التي في علم الغيب٣٢:

كم من الحمق أن تظن هذه المرأة أنها فوق القانون...أتعلم، لا شيء أفضل أو أسوأ في أن تكون امرأة. لو كانت النساء يتولين مسؤولية كل شيء، لكان هناك طغاة نساء. لو كان السود في موقع المسؤولية، لكان هناك طغاة سود. ولو كان الهسپانيون في موقع المسؤولية، لكان طغاة هسپانيون.

ليس لسؤال المشيعين الذكور في آخر الفيلم معنى، ولا يمكن لنسائهن العمليات، المنتقيات من كل بستان زهرة، الموجه إليهن السؤال، ولا لصانعة الفيلم الإنسانية الليبرالية، ناهيك بالمشاهدين، أن يخرجوا بأي إجابة أو بصيص، لأن النصف الأول من السؤال مسكوت عنه: من أين؟

[تذييل ١: بعد كتابة المقال بأربعة أشهر وفي الذكرى الثالثة لمذبحة ماسپيرو كتبت ڤيڤيان مجدي الناشطة التي قتل خطيبها في المذبحة مقالا بعنوان "حدود الغضب والتسامح" (نسخة مخبوءة) وتستشهد بإستس، وهي متعلقة بكلماتها وكتابها، قائلة إن النساء يتعرضن للإسكات تحت لافتة الدعوة إلى النسيان (من قبل القساوسة في حالتها على سبيل المثال)، وتؤكد على أنها امرأة غاضبة من جميع من تعددهم ولن تسامح.]

[تذييل ٢: في مارس ٢٠١٦ قدم الكاتب، ومحرر الموقع، برنامج أفلام في المعهد الفرنسي وسينما زاوية بالقاهرة، عن الحروب الأهلية العربية في السينما، وتضمن عرضا تقديميا بعنوان "كيف نصور حربا أهلية؟" تطرق أيضا إلى فيلم لبكي وغيرها مع مقارنته هذه المرة بفيلم وثائقي لاحق على كتابة المقال هو "ملكات سوريا" مبني أيضا على مسرحية إغريقية (يعاد إنتاجها بتصرف داخل الفيلم) ليوريبيدس، التراجيدي، هذه المرة.]

[نشرت نسخة مترجمة إلى الإنجليزية من هذا المقال على «مدى مصر»]

آخر تحديث: ٠١ فبراير ٢٠٢٢