ولدي..لا يمكن أن يفعل ذلك

النسوية والثورات والحروب هي أبرز ما تحمله السينما العربية الآن، فلا يكاد يخلو فيلم من أحدها أو منها جميعاً،

وعلى الرغم مما قد يبدو أنه حكم مطلق –وقد يكون غير موضوعي أو بديهي كذلك- إلا أنه في اعتقادي لا زال يصلح كمدخل لتقديم فيلم ولدي، الذي لم يختلف كثيراً عن ذلك الحكم المعمم، وإن اختلف عنه قليلاً في ذات الوقت.

أخرج محمد بن عطية فيلمه الروائي الأول في عام 2016 بعنوان نحبك هادي، وولدي هو فيلمه الروائي الطويل الثاني، وتعاونه الثاني كذلك مع فريق الإنتاج الملفت للنظر، المكون من درة بوشوشة والأخوين دردان ونديم شيخ روحه.

رياض ونازلي، أسرة من الطبقة الوسطى تحاول أن تبحث عن أفضل حياة ممكنة لابنهما سامي، لكن سعي الأسرة النبيل والهادئ نحو ذلك الهدف، يتحطم عندما تتفاجأ الأسرة بهروب سامي إلى سوريا للالتحاق بداعش.

لنخرج الفيل من الغرفة أولاً، كما يقول التعبير المجازي الأمريكي، فالفيلم يقدم هنا وهناك تحليلات متوقعة نوعاً ما لما يمكن أن يدفع سامي لفعل ذلك، هل يمكن أن يتسبب الحرمان الجنسي لشاب/مراهق في هروبه إلى داعش ليتزوج هناك بسهولة؟ هل يمكن أن يكون الأمر بهذه البساطة؟ أو هكذا كانت تعتقد سماح زميلة والده بالعمل، أن الصداع النصفي الذي يصيب سامي وأطواره الغريبة ستزول جميعاً إذا حظي سامي بما يتمناه كل شاب في عمره، بالإضافة إلى لمحات أخرى من هنا وهناك عن الإرهاب والتطرف وبراءة يعلنها كل طرف من الآخر، في حرب كلامية لا تشغل الأب كثيراً، وإن كان لا يمكنه تفادي سماع طنينها حيثما سار.

لكننا نرى من خلال عين رياض وليس أي أب آخر، وعنوان الفيلم ليس "الابن"، بل "ولدي"، ونسبة الياء هنا تشير إلى وجهة نظر الفيلم، ولدي أنا، ومن هنا يصبح التحليل الوحيد المهم لما فعله سامي هو تحليل رياض، الأب المأزوم، ولا يهم السبب الذي يشاهده على شاشات الكمبيوتر أو يسمعه في هتافات وقفة احتجاجية، فابني "لا يمكن أن يفعل ذلك"، وشعور جارف بالذنب ربما، دفعه لبيع سيارته والذهاب في رحلة غير محسوبة إلى سوريا عبر تركيا بحثاً عن ولده، وحوار مع الجد السوري الذي يقابله في تركيا، فيخبره أن "أبناءنا يريدون أكثر مما كنا نريد"، كنا نريد أن نتزوج ونعمل ونبني أسرة وبيت، لكنهم يريدون ما هو أكثر، ويتحول سؤال الفيلم ليصبح هنا عن الأب، ماذا فعلت؟ وماذا عليّ أن أفعل؟ والسؤال الكبير الذي يواجهه في نهاية الفيلم بُعيد تقاعده وما مرّ به..وماذا سأفعل الآن؟

بل يمكنني القول -ببعض المبالغة- أن الفيلم أحياناً لا يضع مأساة الابن والتحاقه بداعش، إلا في منزلة الحدث الضخم الذي زلزل هذه الأسرة الهادئة وحسب، وكان في الإمكان استبداله بحدث جلل آخر، ويبقى رياض/الأب هو العين والقلب الذي نلتقط معه الأنفاس اللاهثة، ونحكّ معه رأسنا بحثاً عن إجابات خاصة للغاية تمكنه من التعامل مع سامي/ولدي، الأب المنهك الذي تجاوز الستين عاماً، ولا زال يعمل في ميناء السفن بعد تقاعده، الأب المنهك الذي لا زال ينظر إلى أسعار رقائق الذرة قبل أن يشتريها، ويراضي سامي بعبوة ثمنها 9 دنانير، لكن سامي –الابن الطيب الذي يعرفه- يرفض أن تكون رقائق الذرة ذات التسعة دنانير، عبئاً إضافياً على والده، بل يجمّل رفضه رافعاً الحرج من على والده "إنها بالشيكولاتة" وهو ما لا يحبه سامي على ما يبدو.

سيظل موقع الثورات والحروب والتطرف والنسوية محل تساؤل في كل فيلم نشاهده أو نصنعه في المنطقة العربية، حتى الأفلام التي تقرر أن تشيح بنظرها تماماً عن تلك المواضيع أو تلك التي تضعها في خلفية أحداثها دون الاشتباك معها إن جاز التعبير، فلا تخلو تلك الإشاحة من موقف تجاه تلك الكلمات، ومحمد بن عطية يقدم مقادير متفاوتة من الالتفات إلى تلك الموضوعات والإشاحة عنها في ذات الوقت في فيلم ولدي، ولا يقدمها كمقال ورسالة وخطاب، بل يقدمها من خلال قلب وعقل رياض ونازلي، وبحثهما عن سامي درة قلبيهما، وبحثهما عن إجابات لأسئلة ستين عاماً من الحياة.

آخر تحديث: ٠١ فبراير ٢٠٢٢