٣ أفلام قصيرة لغي ديبور

بقلم أحمد السروجي

عن عبور بعض الأشخاص خلال وحدة زمنية قصيرة نوعا Sur le passage de quelques personnes à travers une assez courte unité de temps | غي ديبور Guy Debord | ١٨ دقيقة و٤٨ ثانية | فرنسا | ١٩٥٩ | الفرنسية (بترجمة إنجليزية)

المهمة الوحيدة المثيرة هي تحرير الحياة اليومية، ليس فقط من المنظور التاريخي لكن من أجلنا والآن حالا. يحتم هذا اضمحلال الأشكال المغتربة من التواصل. السينما، أيضا، يجب تدميرها.

من فيلم «عن عبور بعض الأشخاص» (غي ديبور، ١٩٥٩) 

علي غلاف الطبعة الأمريكية لكتاب «مجتمع الاستعراض»، تظهر مجموعة من المتفرجين جالسين بالسينما، تغطي أعينهم نظارات ثلاثية الأبعاد. ارتبطت الصورة بعد ذلك في ذهن الكثيرين بمفهوم الاستعراض (أو الفُرْجة أو الفُرْجَوية) spectacle في العموم وبموقف ديبور من السينما لكن الأخير لم يساوِ أبدا بين السينما ومفهوم الاستعراض.

وعلاقة الأممية المواقفية بالسينما علاقة معقدة وقد تحدث المواقفيون عنها مرات عديدة في نصوص متناثرة١. ويجب فهم المنتجات الثقافية والفنية التي تركوها، أي المشروع المواقفي، باعتبارها نقدا للحظة التاريخية، وأنها تحمل في طياتها نفيها الذاتي. من جهة أخري، لم يكن موقف المواقفيين المبدئي إدانة للمشاهَدة، ولكن ضد تقليص كل جوانب الحياة إلى فعل المشاهدة. ومن هذا المنطلق، اشتبكت الأممية المواقفية مع السينما.

في نص بعنوان "مع السينما وضدها" في العدد الأول من مجلة الأممية المواقفية العائد لعام ١٩٥٨٢، صرح المواقفيون بأن "السينما هي الفن المحوري في مجتمعنا". لم يحاول المواقفيون إذن النأي بأنفسهم عن هذا المجال لكنهم انتقدوا "السينما [التي] تقدم نفسها بديلا سلبيا عن النشاط الفني الموحّد الذي أصبح ممكنا الآن". يطرح النص بعدها بديلا عن نمط السينما السائدة: "هؤلاء الذين يريدون بناء هذا العالم الجديد يجب أن يحاربوا في آن معا ميل السينما لأن تكون النقيض لبناء المواقف٣… بينما يعترفون بأهمية التطورات التكنولوجية الجديدة القيّمة في ومن أجل ذاتها…" ينتهي النص بدعوة إلي إعادة التملك والاستيلاء علي السينما: "علينا إذن أن نناضل لوضع أيدينا على قطاع سينمائي تجريبي عن حق".

اعتمد المواقفي الأشهر، غي ديبور، أثناء نشاطه كمخرج، على سلة متنوعة من الأدوات النظرية والسينمائية، فاستغل بقوة التطور التقني الحديث في مجال تسجيل الصوت، وكذلك خاصية التعليق الصوتي فلعب على المزج بينها وبين مشاهد سينمائية مختلفة، سواء أكانت مقاطع من أفلام تجارية أو إعلانات أو صورا، كـ 'خلفية' لبناء المشهد السينمائي في أفلامه. وهذا هو ما أصبح يعرف باسم إعادة التوجيه (أو التحريف) detournement. وفي أحد نصوصهم، تذهب مجموعة التحرير المواقفية إلى التصريح بأن علامة حركتهم ودليل وجودها هو قبل كل شيء استخدام "التحريف". فكان يعاد تدوير واستخدام مخلفات الثقافة المهيمنة، مقاطع وصور من إعلانات تليڤزيونية ولقاءات سياسية مثلا، في سياق نقد هذه الممارسات وما وراءها من افتراضات. اشتهر المواقفيون باستخدام هذا التكنيك في إنتاج كتبهم وأفلامهم على السواء. 

في واحد من الأعداد الأخيرة من مجلة المواقفيين، أعيد إنتاج إعلان ظهر في الأصل في مجلة عن كاميرات السينما المنزلية (النمساوية في هذه الحالة) يقول "أنا أحب الكاميرا لأنني أحب الحياة… أسجل أفضل لحظات الوجود... أعيشها من جديد وقتما شئت بكل بهائها". تحت الصورة، كتب المواقفيون بعنوان "هيمنة الاستعراض علي الحياة": "أُخْضِع الحاضر لعيشه فورا باعتباره ذكرى. ومن خلال إضفاء هذا التخصص على الزمن، الخاضع لنظام وهمي متمثل في حاضر متاح باستمرار، يُفقد الوقت والحياة معا."

أخرج ديبور، ناقد الاستعراض الأكبر نفسه، بين عامي ١٩٥٢ و١٩٧٨، ما لا يقل عن ستة أفلام أبيض وأسود  ٣٥ ملم. ولعل فيلمه الأشهر هو المبني كذلك علي نصه الأشهر وبالعنوان نفسه «مجتمع الاستعراض» (١٩٧٣) La société du spectacle. ولمدة ٩٠ دقيقة هي زمن الفيلم، يلعب ديبور، بالإضافة لكونه المخرج وكاتب السيناريو، دور الراوي، بينما يتنوع تَتابع الصور المختلفة المعروضة على الشاشة بين الإطارات الثابتة ومقاطع مسجَّلة لأحداث تاريخية أو مشاهد ميدانية لحركة الناس في الشوارع والبارات.

نقد الانفصال Critique de la séparation | غي ديبور Guy Debord | ١٧ دقيقة و٢٣ ثانية | فرنسا | ١٩٦١ | الفرنسية (بترجمة إنجليزية)

"عالم من المتع للفوز به، ولا شيء نخسره سوى الملل."

لقد بدأت الأممية المواقفية كحركة فنية تهدف إلى بناء مواقف تتحدى الانقسام بين الفن والسياسة في الحياة اليومية. كما كان ديبور، كفيلسوف سياسي، هو أول من تحدث عما يعنيه أن نعيش في عالم مغمور بالصور والشاشات وأثر ذلك على الحياة المعاشة في ظل هذه المنظومة.

في سن ١٩، كان ديبور قد انضم إلى مجموعة الرسائليين letterists وهي مجموعة من الفنانين الراديكاليين المتأثرين بتيارات السوريالية والدادائية تحت قيادة الفنان الروماني المولود بفرنسا إيسيدوري إيسو، ثم إثر انقلاب داخل المجموعة على قيادته الديكتاتورية، انقسمت الحركة إلى أفرع مختلفة. أسس ديبور وقاد، بين ١٩٥٢ و١٩٥٧، الفرع الموجود بپاريس الذي أسمى نفسه «الرسائلية الأممية». انضوى تحت لواء الحركة أنماط مختلفة من البشر تنوعوا بين رسامين، ومخرجين، وبوهيميين، وثوريين ساخطين على المجتمع الحديث. افتتح أعضاء الرسائلية الأممية وجودهم الزمني القصير نسبيا على الساحة بالعديد من الفضائح والأفعال و'التدخلات الفنية' التي جذبت بطبيعة الحال انتباه الإعلام آنذاك لهم. في 1952 مثلا، وأثناء تواجد تشارلي تشاپلن في مؤتمر بفندق ريتز بباريس، اقتحموا المؤتمر الصحفي وعطلوه مصرحين: "ما تبقى اليوم من تشاپلن هو مجرد رجل كبير في السن، حزين ومرتزق. اذهب إلى البيت يا سيد تشاپلن." كان تبريرهم لموقفهم هذا هو "أن الممارسة الطارئة للحرية اليوم تحتم تدمير كل الأيقونات."

وفي ١٩٥٧، وعلي إثر تواصل أعضاء الرسائلية الأممية مع مجموعات فنية طليعية أخرى متناثرة بأوروپا، من أبرزها حركة الباوهاوس (وهو تيار فني في العمارة ظهر في ألمانيا في ١٩١٩ يهدف إلى تحرير فن العمارة من الزخرفة، والدمج بين العمارة والفنون الجميلة) وجمعية لندن النفس-جغرافية London Psychogeographical Association، تأسست حركة الأممية المواقفية.

دحض كل الأحكام، الإيجابية والسلبية، الصادرة حتى الآن بحق فيلم «مجتمع الاستعراض» Réfutation de tous les judgements, tant élogieux qu’hostiles, qui ont été jusqu’ici portés sur le film « La Société du spectacle » | غي ديبور Guy Debord | ٢١ دقيقة و٤٧ ثانية | فرنسا | ١٩٧٥ | الفرنسية (بترجمة إنجليزية)

 

[نُشرت نسخة مبكرة أطول من النص كمقالين منفصلين في العدد السابع، السنة الثانية، أغسطس ٢٠١٦ من مجلة «الفيلم» الصادرة عن الجيزويت، ضمن ملف بعنوان "الثورة والشعوب في ذاكرة السينما"]

  • ١. لمجموعة شاملة معدة بعناية منها: https://1000littlehammers.wordpress.com/situationist/
  • ٢. “Avec et contre le cinéma,” Internationale situationniste 1 (1958) 8–9
  • ٣. من النص التأسيسي للحركة والذي كتبه ديبور والمعنون «تقرير حول بناء المواقف وحول ظروف التنظيم والفعل والمقاربة الأممية المواقفية»: "اهتمامنا بالتحديد هو تطبيق بعض الأفعال، واكتشاف البعض الآخر، والتي يمكن التعرف عليها بسهولة أشد في مجالي الثقافة والعادات، ولكن مُطبّقة حتما بالترابط مع كل المتغيرات الثورية."

آخر تحديث: ٠٨ فبراير ٢٠١٧