عن وصول القطارات...وعن الملاكمة أيضا...وعن السنوات السوداء

بقلم محمد فتحي كلفت

منذ أقل من ١٢٢ عاما، التقى ملاكمان هما غريفو الصغير وتشارلز بارنت على شاشة 'كبيرة' في 'مسرح بواجهة محل' بشارع برودواي. كان ذلك هو العرض السينمائي العام الأول. وقد ضاعت تلك اللقطات للأبد--ربما كان طول الفيلم ٤ دقائق وربما ٨. لتصبح أفلام لوميير العشرة القصيرة منذ ١٢١ عاما وحوالي الشهر هي برنامج العرض السينمائي العام الأول المعترف به، وتلاها، منذ ١٢١ عاما بالضبط، في ٢٥ يناير ١٨٩٦، فيلمهما الشهير الثاني، عن لحظة وصول قطار، بعد فيلم الافتتاح عن لحظة خروج عمال من مصنع.

في تسعينيات القرن التالي ظهرت كيت بلانشيت ضمن المجاميع في "فيلم ملاكمة" آخر، قبل أن تصبح ما هي عليه اليوم وتسخر من "ظهورها الأول" في فيلم مصري يبدو أنها لم تشاهده ولو بدافع الفضول. على كل حال، يعرف العالم كله كيت بلانشيت الحائزة على جائزتي أوسكار بينما مات أحمد زكي دون أن يعرفه أحد خارج المنطقة التي تتحدث بلغته. فهل يقل "كابوريا" أهمية وجمالا وابتكارا عن أي من هذه الأفلام؟

رحل الملاكمون، فُقدوا أم لم يفقَدوا، لكن القطارات لم تتوقف أبدا في كل مكان. وبعد قليل ارتحل على أسطحها عبر أراضي الإمپراطورية السوڤييتية الناشئة "رجل ذو كاميرا سينمائية" وظهر ولعه بها لاحقا في رائعة سينمائية أخرى عن السينما وعن المدن، حبيبة السينما. وحتى في القرى وصلت قوافل السينما أخيرا، إن لم يكن في قرية نائية بكوبا بعد ١٠ سنوات من الثورة ليشاهد الكبار والصغار تشارلي تشاپلن للمرة الأولى، ففي ريف مصر حيث جرى القرويون ذعرا أمام النار المندلعة من مشاهد حرق القصب تماما كما فعل أسلافهم الفرنسيون أمام القطار الذي وصل إلى لا سيوتا، ولم يتوقف أبدا عن الوصول.

هكذا ولدت السينما، فنا جماهيريا وتجاريا عن الحياة اليومية، بأفلام وثائقية قصيرة، قبل أن تظهر هذه المصطلحات للوجود أو تنشأ الحاجة إليها.

ماذا في التواريخ؟ لا شيء ربما. إنها على الأقل عزيزة علينا، كما أننا مثل الجميع نبحث عن معنى. نحتفي ونتبرك بها اليوم ونحن نطلق ترسو بين تاريخين من تواريخ مولد السينما الجماهيرية. وقد وافق ٢٨ ديسمبر الفائت و٢٥ يناير هذا، ويا لمحاسن الصدف، يومي أربعاء، بينما العاملون في دور السينما بمصر يغيرون البرنامج الأسبوعي (إن لم يوجد فيلم "يحطم الشباك" لأسابيع متواصلة). ولكننا، وكما انتقد آلن باديو وهو في سن العشرين "الثقافة السينمائية"، لسنا أقل ريبة وحذرا حيال السينيفيليين اليوم وهوسهم المتجدد واغترابهم بشكل عام، برغم بقاء ما أسماه باديو الحضور الدائم في السينما، والجدة الدائمة لصناع السينما والتي تمثل قطيعة دائمة مع تاريخهم، مع التاريخ، بدءا من الرائد الأول والذي قطع مع التاريخ القادم نفسه ربما عندما قال إن "السينما فن بلا مستقبل."

وبين زمني لوميير وباديو، عرفت بلادهما وعاصمتها، حيث المقهى البورجوازي 'صالة` العرض الأول، ما صار يعرف بالسنوات السوداء (قبل مجي الأفلام 'السوداء')، عندما نزلت الأفلام تحت الأرض وسط العمال والمثقفين والمقاومين تحت حكم النازي، لتصعد إلى الأرض بعدها بروح جديدة تماما ستغير بعد قليل وجه هذا الفن.

هل نزلت السينما في مصر اليوم أيضا تحت الأرض؟ وهل ستصعد إلى الأرض؟ هل لجأت أجيال سابقة هنا إلى السينما بقدر ما لجأت أجيال اليوم؟ كنا في الأعوام السابقة ضمن غيرنا نشاهد الأفلام ونعرضها ونتحدث عنها ونساهم في صنع بعضها ونعبر من خلال كل ذلك عن زحام قلق من المشاعر والأفكار، ونمارس أيضا حياة نحبها مع شركائنا في الفرجة، وهي تجربة سياسية بامتياز، تغادر سياق الولع السينمائي الضيق إلى مجالات التعليم والديموقراطية الأرحب.

ومثل ما بين فرنسا وبيننا من مشتركات هناك أيضا: إشكالات، استعمار، شرق وغرب، جنوب وشمال، مركز وأطراف، سلطة معرفية، ترجمة ضرورية خطيرة وخطرة، إرهاب، وحرية تعبير ملتبسة يعاقب بسببها عندنا ضمن من يعاقبون كاتب يسجن لأنه ذكر الجنس صراحة. دعونا إذن نتحدث عن الجنس

وأيضا وكما قال وثائقي فرنسي آخر زار العاصمة النشطة مؤخرا حيث عرضت أفلامه ضمن إعادة استكشافه وقدم النصائح في حلقة أستاذ: "دعونا نشاهد فيلما ونتكلم عنه."

دعونا من فرنسا ومصر والفاشية والتاريخ! هناك على الجانب الآخر (على الجوانب الأخرى) من الحدود تدور حروب أهلية. وفي العام الماضي تحدث إلينا من إحدى أراضي المعارك مخرج شاب طار إلى مصر لتلبية دعوتنا ومناقشة فيلمه عن الحرب والصراع والعنصرية والمقاومة الثقافية.

أهناك مفر من السينما؟ من الصور؟ من النقد؟ هل نملك رفاهية السينما أم أننا لا نملك رفاهية البعد عنها؟ "فن بلا مستقبل" دائما ما واجه الأسئلة الوجودية الكبرى حول ماهيته وفرص بقائه. ليس النقد وحده هو ما يواجه أزمة تلو أخرى. في دورته قبل الأخيرة، اختار جمهور مهرجان الأفلام الأوروپي الأساسي في البلاد فيلما لمخرج فرنسي آخر محب للطبيعة والبشر، وهو 'فيلم' ربما لم يصنع أصلا للعرض في صالات السينما، بقِطَع الڤيديو التي تتألف منها ساعاته الثلاث والمتاحة للمشاهدة دون ترتيب معين على يوتيوب. في المسارح، في المحلات، في المقاهي، في الساحات، في المخابئ، في الشقق، في المعارض، وعلى الشاشات بأنواعها، يدور الصراع حول الأفلام، وتتصارع الأفلام، ونتصارع عليها وفيها.

آخر تحديث: ٠٢ فبراير ٢٠١٧